فهرس الكتاب
-صلى الله عليه وسلم -.؟ لقد عرّض - صلى الله عليه وسلم - حياة ابن عمّه عليّ - رضي الله عنه - للخطر، فأمره أن يبيت في فراشه ليلة الهجرة، وأن يتأخّر عنه في هجرته، وهذا أيضًا باب من أبواب الخطر، ولكنّه - صلى الله عليه وسلم - بشّره أنّه لا يصاب بأيّ أذىً منهم .. وكلّ ذلك ليؤدّي الأمانات إلى أهلها، فأيّ أخلاق أعظم من هذه الأخلاق وأسمى.؟!
وقارن هذا الموقف العظيم بموقفه - صلى الله عليه وسلم - يوم دخل مكّة فاتحًا منتصرًا، وطأطأ كبار المشركين رءوسهم أمامه، خاضعين لقوّة الحقّ، واشرأبّت أعناقهم إليه، تنتظر بم يقضي فيهم هذا الطريد المهاجر بالأمس.؟! وطلب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مفاتيح الكعبة من عثمان بن طلحة، ودخل إليها، وصلّى فيها ركعتين، وهدم ما فيها من الأصنام، وكان يسعه - صلى الله عليه وسلم - ـ ولا رادّ لقضائه إلاّ الله ـ ألاّ يردّ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وحجّته في ذلك وجيهة ظاهرة .. ولكنّها الأمانة التي لا تقف عند حدّ .. وعظمة أخلاق النبوّة، التي لا تحيط بها عقول البشر ..
روى ابن سعد عن عثمان بن طلحة: لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل الهجرة، فدعاني إلى الاسلام فقلت: يا محمد العجب لك حيث تطمع أن أتّبعك، وقد خالفت دين قومك، وجئت بدين محدث، وكنّا نفتح الكعبة في الجاهلية الاثنين والخميس، فاقبل يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت عليه، ونلت منه، فحلم عني، ثمّ قال: (يا عثمان! لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت) فقلت: لقد هلكت قريش وذلّت.
قال: (بل عمرت يومئذ وعزت) ، ودخل الكعبة، فوقعت كلمته منّي موقعاّ، فظننت أنّ الامر سيصير كما قال، فأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرًا شديدًا، فلمّا كان يوم الفتح قال لي: (يا عثمان! ائت بالمفتاح) فأتيته به.
فأخذه مني، ثم دفعه إليّ وقال: (خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلاّ ظالم، يا عثمان إنّ الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما وصل إليكم من هذا