ولقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقًا، وكانت الآداب الرفيعة، والشمائل الكريمة جِبِلّة خلق عليها، ومنحة ربانيّة خصّ بها بعناية الله وحسن رعايته، ثمّ ترادفت عليه نفحات الله تعالى كلّ آن، وأشرقت أنوار المعارف الإلهيّة على قلبه، حتّى وصل الغاية، التي لا يقدر عليها جهد البشر، وبلغ في هذه الخصال الشريفة، باصطفاء الله له بالنبوة والرسالة ما تتقاصر دونه مطامح إنسان، مهما جدّ واجتهد، وحاول وبذل ..
وإنّ حقيقة حسن الخلق بالمعنى الخاصّ أنّه ملكة نفسيّة يسهل على المتّصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة، والبعد عن الأخلاق الذميمة، وقوامُها: صفاء السريرة، وسماحة النفس، وسعة الصدر، وأصل هذه الملكة كمال العقل، لأنّ به تقتبس الفضائل، وتُجتَنَب الرذائل، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - من كمال العقل في الغاية القصوى، التي لم يبلغها بشر، وأدلّة ذلك من سيرته - صلى الله عليه وسلم - وحياته أكثر من أن تحصى.
وأوّل ما يتجلّى أثر حسن الخلق في العلاقة الإيجابيّة الحميمة مع الآخرين، وهو ما وجّه الله إليه نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، إذ يقول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } الأعراف، فهذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم.
وقد روي أنّها عندما نزلت على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل عليه السلام: ما هذا يا جبريل؟ قال: إنّ الله أمرك أن تعفو عمّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك"."
وبِهذا المعنى جَاء الحديث عَن عُقبةَ بنِ عَامِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ:"لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَابْتَدَاتُهُ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِلِ الأَعْمَالِ فَقَالَ:"