وما رُوِيَ أيضًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر - رضي الله عنه - قَالَ: (مَن كانَ مُسْتنًّا فليستنّ بمن قد ماتَ، أولئكَ أصحابُ مُحَمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، كانوا خيرَ هذهِ الأمّةِ، أبرَّها قُلوبًا، وأعمقَها عِلمًا، وأقلَّها تَكلّفًا، قومٌ اختارَهم اللهُ لصُحبة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، ونقلِ دينِه، فتَشبّهُوا بأخلاقِهم وطرائِقهم، فهُم أصحابُ مُحَمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، كانوا على الهُدى المُستقيم، واللهِ ربِّ الكعبةِ) [1] .
لقد تزعّم هذا الجيل الذي تخرّج في مدرسة مُحَمّد - صلى الله عليه وسلم - العالم، وعزل القياداتِ الفاسدة المريضة، التي ظلمت وأفسدت في الأرض، واستعبدت الأمم والشعوب، فانهارت على أيديهم تلك الأمبراطوريّات، بعد أن عمّرت قرونًا، وكانت لها حَضارة مادّيّة راسخة، تعتزّ بها، وتستميت في الدفاع عنها، وبنوا في مدّة وجيزة مُدْهشة حضارة إنسانيّة فاضلة، لم تكن كأيّ من الحضارات قبلها ولا بعدها، فما المؤهّلات القياديّة، التي تحقّقت في هذه النخبة الفتيّة، ولم تكن لها من قبل حضارة، ولا عهدَ لها بقيادة أو إدارة.؟!
لقد هيّأها الله تعالى لهذه المسئوليّة الإنسانيّة الكبيرة بمؤهّلاتٍ عظيمة كان أهمّها:
ـ أنّهم كانوا أصحاب كتاب منزّل، وشريعة إلهيّة، جعلها الله خاتمة الشرائع، وكتب لها الظهور على الدين كلّه؛ فهم لا يقنّنون، ولا يفتون من عند أنفسهم، لأنّ ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم، واتّباع الهوى، ولا يخبطون، في سياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء، فهم على بيّنات من أمرهم، ونور من ربّهم، قد أخلصوا لله سرائرهم، وصدقوا الله فصدقهم.
(1) ـ رواه أبو نعيم في الحلية 1 135.