ـ أنّهم لم يتولّوا الحكم والقيادة بغير تربية أخلاقيّة عالية، وتزكية للنفس راقية، وإعداد وتدريب .. ولم يكن ذلك على يد معلّم أو فيلسوف، أو جامعة أكاديميّة .. لقد تربّوا في مدرسة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - زمنًا طويلًا، وعاشوا تحت إشرافه الدقيق، ومتابعته الدائبة: يزكّيهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ويخالطونه فيشهدون أخلاقه العظيمة، وشمائله الكريمة، ويهيّئهم ويعدّهم لهذه المهمّة العظيمة، فالنجاح الذي تحقّق على أيديهم هو في الحقيقة نجاح لهذه التربية النبويّة المسدّدة.
ـ أنّهم لم يكونوا أصحاب أهداف دنيويّة رخيصة، وغايات دنيّة، تقوم على فرض السيطرة على الآخرين، وجمع الغنائم، والتنافس على الدنيا، والتخاصم فيها، وإنّما كان جهادهم لتكون كلمة الله هي العليا، ولإقامة دين الله في الأرض، ونصرة شريعته، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المؤهّل الكبير، والغاية السامية بقوله سبحانه: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) } الحجّ.
ـ ويكفي هذا الجيل الذي تخرّج في مدرسة مُحَمّد - صلى الله عليه وسلم - فخرًا أنّ أعداءهم شهدوا لهم بمكارم الأخلاق، وكريم الصفات، وأشادوا بعدلهم وإنصافهم، وأثنوا عليهم غاية الثناء في كلّ مناسبة، فهذا شيخ من عظماء الروم يصف جنود المسلمين بقوله:"إنّهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون فيما بينهم".
وقال آخر:"هم فرسان بالنهار رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمّتهم إلاّ بثمن، ولا يدخلون إلاّ بسلام .." [1] .
(1) ـ من كتاب ربّانيّة لا رهبانيّة للشيخ أبي الحسن الندويّ.