فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 596

ومن هنا فإنّ ركن الإسلام الأوّل لم يكن إعلانًا ظاهريًّا، يقتصر على لسان الإنسان، ولا يتجاوزه، إنّه تعبير عن إذعان العقل، وخفقة القلب، واستجابة السلوك، التي تتجلّى أوّل ما تتجلّى بإعلان اللسان .. إنّه تعبير عن اصطباغ كيان الإنسان كلّه بصبغة التوحيد والإيمان، وما تقتضيه من عبوديّة لله خالصة، وطاعة مطلقة، وحبّ لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - واتّباع، وإيثار له على الأهل والمال والولد والمتاع، والنفس والنفيس، وكلّ ما يُؤثَر أو يُحَبّ ..

إنّه التعبير الصادق عن التحوّل إلى صبغة الله الربّانيّة، التي تصل الإنسان بالملأ الأعلى، وتحرّره من حطام الأرض، وأوهام المادّة: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) } البقرة.

ولقد عرف تاريخ الدعوة الأولى نماذج فذّة من أولئك الذين قالوا هذه الشهادة بصدق، وتحمّلوا لأجلها كلّ أذىً وابتلاء في سبيل الله .. ولم يكونوا بذلك بدعًا في تاريخ الدعوة إلى الإيمان، فقد قصّ علينا القرآن من ذلك، وكذلك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ما يؤكّد أنّ الابتلاء والتضحية ليس موقفًا عرَضيًّا، ولا حالة شاذّة، بل هي سنّة ماضية من سنن الله في تاريخ الإيمان، وقافلة المؤمنين على مدار التاريخ ..

ولكنّ الملاحظ في تاريخ هذه الأمّة، وهي التي شهد الله لها بالخيريّة على سائر الأمم، كما شهد لها نبيّها - صلى الله عليه وسلم - بذلك أنّ هذه النماذج الفذّة لم تكن قليلة ولا نادرة، بل هي كثيرة كثرة عجيبة، وشائعة شيوعًا عامًّا في كلّ الأمم وشعوب الأرض، الذين دخلوا في دين الله، وعرفوا حقيقة هذه الشهادة، وما تقتضي من تضحيات .. إنّها ثمرة بذرة الإيمان الصادق، وبشاشته عندما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت