فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 596

القارّات مثلًا، بل إنّه قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } .

والحقّ أنّ سعة هذا الإعلان وشموله، وعظمته وسموّه، واستمراره وخلوده، كلّ ذلك يقتضي أن يقف عنده مؤرخو العالم وفلاسفته، ونوابغه وأذكياؤه حيارى مشدوهين، بل يقف أمامه الفكر الإنسانيّ كلّه حائرًا مشدوهًا، وينقطع إليه كليًّا، ردحة من الزمن، يبحث في مدى صدق هذا الإعلان، أو صحّة هذا الواقع، لأنّنا لم نجد في تاريخ الأديان والنحل، وفي تاريخ الحضارات والفلسفات، وتاريخ الحركات الإصلاحيّة، والمحاولات الثوريّة، بل في تاريخ العالم كلّه، وفي المكتبة الإنسانيّة بأسرها، مثل هذا الإعلان المحيط بالكون كلّه، والأجيال البشريّة كلّها، والأدوار التاريخيّة بأجمعها، حول أيّ شخصيّة من شخصيّات العالم، حتّى إنّ خلاصة تعاليم الأنبياء السابقين، وما وصل إلينا من أحوالهم وسيرهم .. كلّ ذلك أيضًا مجرّد عن مثل هذا الإعلان الواسع الشامل.

وإنّ لتقدير شيء ووضعه في محلّه المناسب، ومكانه اللائق مقياسين بصورة عامّة: الأول: مقداره وحجمه، الذي يعبّر عنه في المصطلح الحديث: الكمّيّة. والثاني: جوهره ووصفه، الذي يقال له: الكيفيّة.

وهذا الإعلان الذي نادى به القرآن يشمل هذين النوعين، ويجمع بين الناحيتين، فإنّ بعثته - صلى الله عليه وسلم -، وشخصه العظيم، وتعاليمه السامية الخالدة، أفاضت على الإنسانيّة مسحة جديدة من الحياة والنشاط، وكان السبب المباشر في شفائها من أسقامها وعلاّتها، وفي حلّ معضلاتها، ونهاية آلامها وأحزانها، وهطول أمطار الرحمة والبركة، واليمن والسعادة، والخير والفلاح على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت