أرضها المجدبة القاحلة، وكانت هذه المعطيات المحمديّة الغالية، منقطعة النظير بحساب السعة والوفرة، والحجم والكمية، وبحساب النفع والإفادة، والجوهر والكيفيّة أيضًا.
ولفظ"الرحمة"شاع استعماله في حياتنا اليوميّة، وهو يطلق على كلّ شيء ينال به الإنسان نفعًا وراحة، أمّا أنواع الرحمة وأقسامها، ودرجاتها ومدارجها، فلا حصر لها؛ يقدّم أحدنا الماء البارد إلى أخيه العطشان، ويدلّ المسافر والغريب على الطريق، ويحرّك له المروحة في يوم صائف، شديد الحرّ، والأم تحنو على طفلها، والأب يربّي ولده ويعلمه، ويزوّده بحاجيات الحياة، والمدرس يدرّس تلاميذه ويؤدّبهم، ويمنحهم ما عنده من نعمة العلم، وهكذا إطعام الجائع المسكين، وإكرام الضيف، وكساء العريان، كلّ ذلك من مظاهر الرحمة العامّة، وألوانها المختلفة الزاهية، وهي تستحقّ منا كلّ تقدير، واعتراف، وشكر.
ولكنّ أكبر مظهر من مظاهر الرحمة، وأروع صورة من صورها الجميلة: أن ينقذ أحدنا أخاه من مخالب الموت؛ هناك طفل صغير بريء، نراه في حالة الاحتضار، كاد يلفظ نفسه الأخير، الأم تقف إلى جواره تبكي، قد أظلمت الدنيا في ناظريها، وانقطع أملها في فلذة كبدها، ومأوى حنانها وحبّها، والأب يسعى هنا وهناك، هائمًا على وجهه، فلا يجد راقيًا وأنيسًا، هنالك يأتي طبيب حاذق، كما ينزل الملك من السماء، ويقول: مهلًا! لا داعي للقلق، ولا موجب لليأس، ويلقي في فم الطفل قطرات قليلة من الدواء، فيزول عنه المرض ويتلاشى، ويفتح عينيه، وينشط من مرضه .. لنتصوّر ماذا