يقال لهذا الطبيب؟ ألا يقال له: إنّه ملك الرحمة، أرسله الله لإنقاذ هذا الطفل، وإعادة الحياة إليه، هنالك تتلاشى كلّ هذه الأنواع من الرحمة التي قدمناها أولًا، وتذوب أمام هذا المظهر الرائع الأخّاذ من الرحمة، إنّها ليست منّة على الطفل فقط، بل على أسرته كلّها.
نرى أعمى يمشي متوكّئًا على عصاه، قد شارف هوّة عميقة أو بئرًا، قد تكون خطوته التالية خطوة الموت، فيهرول إليه عبد من عباد الله، ويأخذ بحجزته، ويمنعه عن الوقوع في هذه الهوّة، أفلا نسمّيه ملك الرحمة.
وهذا شاب يافع، قرّة عين أبويه، وكفيل عائلته الفقيرة، قد أشرف على الغرق في نهر فائض، يحاول أن يطفو على الماء، ولكن دون جدوى، فيقفز إليه رجل مجازفًا بحياته، ويأخذ به إلى ساحل النجاة، فيحمله ربّ الأسرة، أو إخوة هذا الشابّ، على أعناقهم، ويضمّونه إلى صدورهم، بحرارة وحبّ، ولا ينسون فضله على أسرتهم الصغيرة مدى الدهر، ترى هل تساوي مظاهر الرحمة الأولى، هذه الرحمة العظيمة الغالية.
وهناك ما هو أكبر من هذه الرحمة وأعظم، عندما يكون الإنقاذ لا يختصّ بفرد أو أفراد، وليس متعلّقًا بحياة الإنسان الدنيويّة، وإنّما يتّصل بحياته الأخرويّة السرمديّة، وبنجاته من الخلود في نار جهنّم، فعندئذ لا تقاس بها أيّة رحمة في هذا العالم مهما كان شأنها، ففرق كبير بين هلاك وهلاك: هلاك قصاراه هلاك الجسد، وهلاك فيه هلاك الأبد ..
وتلك هي رحمة الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، وتلك هي المهمّة التي حمل عبأها ومسئوليّتها، ونهض بها على أحسن حال وأتمّه سيّدهم وخاتمهم، نبيّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وقد خصّه الله تعالى بشريعةٍ جامعةٍ لكلّ خير، وهي رحمة