فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 596

للعالمين، كما أنّ الله تعالى جعله رحمة للعالمين بما خصّه من خصائص، وحباه من فضائل، لا يستطيع أيّ باحث ذكيّ، أو كاتب عبقريّ أن يحيط بها [1] .

ونضرب لهذه الرحمة مثلًا مستوحىً من مثل نبويّ ثبت في السنّة .. لقد كانت الأرض جرداء مجدبةً، لا يوحي منظرها أنّ فيها شيئًا من الحياة، فمنّت عليها السماء بالغيث الغدق، فما هي إلاّ أيّام حتّى استحالت مروجًا خضراء، وجنّة غنّاء، فنبت الزرع، وامتلأ الضرع، وعمّ الخير، وانتقلت الأرض من موات الشتاء ووحشته، إلى بهجة الربيع وأنسه، وأشرقت الأرض بنور ربّها، وغدت الأرض جنّات تفيض أنهارًا، ورياضًا تحتضن أبكارًا .. وكذلك كان الهدى للأرواح والقلوب، لقد انتعشت به القلوب الضامرة الظامئة، التائهة الشاردة، واستنارت أرجاؤها بحرارة الإيمان، ودفق الحبّ والحنان، وصَحَتِ العقول من سكرة الضلال، ورقدة الخبال، وأعلن في الكون ميلاد الإنسان من جديد، وانحسرت الجاهليّة، وتزلزلت أركانها، وتصدّع بنيانها، واندحرت في شتّى بقاع الأرض ..

جاء في الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعريّ - رضي الله عنه: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:

(إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتْ المَاءَ، فَأَنْبَتَتْ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتْ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لا تُمْسِكُ مَاءً، وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ

(1) ـ انظر:"السيرة النبويّة"للشيخ أبي الحسن الندويّ رحمه الله ص 454 بتصرّف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت