من أين جاء الخلاف بين العلماء في جواز كشف المرأة وجهها وكفيها وعدم كشفهما
وقبل الخوض في الموضوع الذي نحن بصدده أقول إن الخلاف بين العلماء في كشف الوجه واليدين والذي يُقصد به (عورة المرأة) إنما يكون في باب شروط صحة الصلاة، فيقول العلماء:"وكل المرأة عورة إلا وجهها وكفيها"، وهم إنما يقصدون عورتها في الصلاة لا عورتها في النظر إليها من الأجانب و يمكن التأكد من ذلك إذا رجعتى إلى أبواب الصلاة في كتب الفقه.
حيث يقول العلماء في أبواب الصلاة أن وجه المرأة وكفيها ليستا بعورة، فنقول إنَّ هذا المذهب إنما هو في الصلاة إن لم تكن في حضرة الرجال، وقال ابن قدامة ومالك والأوزاعى والشافعى أن جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة.
وأما بالنسبة لنظر الأجنبي إليها فجميع بدنها عورة لا بد من ستره، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"المرأة عورة" [1] .
وقال ابن القيم:"العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة في النظر، فالحرة لها أن تصلى مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك".
وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} :"والمستثنى هو الوجه والكفان لأنهما ليستا من العورة، والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة، لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة"
وقال الصنعاني:"ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته، والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة كما ذكرنا"
فهذه النقول عن أهل العلم كافية لإثبات الفرق بين حدود العورة وحدود الحجاب .. وعليه فلا يصح أبدا ما قد يذكره بعض الناس من إجماع العلماء على جواز كشف الوجه واليدين، فبلإضافة إلى كونه جهلا بمواقف العلماء فهو جهل بحقيقة الخلاف بينهم , فمن أ ورد عنهم جواز كشف الوجه واليدين على قسمين: قسم لا يجيز ذلك بإطلاق، و قسم يخصه في الصلاة فقط، ويحرمه عند وجود الرجال الأجانب، وهذا القسم لم يفهم بعض الناس قوله، فلما سمعه يقول:"والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها"أي في الصلاة .. ظن أن ذلك بالعموم حتى في النظر، فحمل قوله على جواز الكشف مطلقا، وهذا خطأ، فإنهم لم يقصدوا ذلك، فهذا سبب الاختلاف في المسألة.
(1) . صحيح: أخرجه الترمذي (1173) في الرضاع باب رقم 18، وابن خزيمة في التوحيد:1/ 40 واللفظ له، وابن حزم في الإعراب عن الحيرة والالتباس:2/ 854، والهيثمى في مجمع الزوائد:4/ 317، وابن حجر العسقلانى في تخريج مشكاة المصابيح:3/ 252، والسيوطى في الجامع الصغير:9193 وكلهم عن عبد الله بن مسعود