أنهن كن يغطين وجوههن بغير النقاب وهن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقرهن بدون أن يترتب عليهن بذلك إثم أو نقص أو فدية بإجماع الأئمة مما يدل على وجوبه وفرضه في غير الإحرام بشكل آكد ومن باب أولى، حتى لا يتذرع البعض فيفهم من منع المحرمة من لبس النقاب ونحوه مما هو مفصل كالبرقع والقناع واللثام أن تخرج كاشفة فأخبرن أنهن كن يخمرن وجوههن ويسدلن عليها ما يسترها عن الرجال.
فإذا منعت من النقاب والقفازين حال الإحرام لم يعنِ هذا جواز كشفهما عند مرور الأجانب، وعليها تغطيته بالسدل والإرخاء دون النقاب ونحوه، كما ثبت تغطيته من الصحابيات والتابعيات حال الإحرام حين حاذهن الرجال، وهذا بإجماع أهل العلم قاطبة.
ألم ترَ إلى الرجال حين مُنعوا من لبس المخيط في الإحرام أفيصح أن يقال بجواز خروجهم مكشوفين عراه؟ أم يفهم منه جواز لبس ما عدا المخيط المفصل، كالرداء والإزار؟ فكذلك المنتقبة و التى تلبس القفازين ففى حال الإحرام لا تلبسهما، فهل يعنى النهي عن النقاب و القفازين أن تتكشف؟ لا بل تسدل وتُرخي على وجهها، وتدخل كفيها في كم جلبابها كما قال الفقهاء، فالممنوع هو لبس المفصل على هذين العضوين.
بل ولا شك أنه باتفاق أهل العلم أن ستر المرأة لوجهها عن الرجال أوجب من كشفه في الصلاة أو حال الإحرام كما نَقل الإجماع على ذلك و الحافظ ابن المنذر وابن عبد البر
قلتُ و الغرض من منع النقاب بذاته في الإحرام هو تأكيد معنى الإحرام فشروط ملابس الإحرام للرجال و النساء لحكمه من الله عز وجل ألا و هى تذكير المحرم بيوم الميعاد أى يوم موته الذى سيقابل فيه ربه و من المعلوم أن في هذا اليوم سيخلع ملابس الدنيا و يلبس ملابس الأخرة"الكفن"و هو مماثل للبس الإحرام و معلوم أن كفن المرأة ليس فيه نقاب فلا يغطى وجهها في كفنها فالغرض من عدم المخيط للرجال و الأنقبه للمرأة في الأحرام التذكير بيوم الموت وما يلبس فيه ولكن في حال الأحرام للمرأة هى ما زالت في الدنيا فلابد لها بالألتزام بالأمور الشرعية و منها حجابها لذلك إذا مر بها الرجال فهى تغطى وجهها والله أعلم.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:"قلت لعائشة إنما فاقنا عروة ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر فعائشة خالته بدخوله عليك كما أراد، قالت: وأنت إذا أردت فاجلس منا من وراء حجاب فسلني عما أحببت" [1] .
(1) . الطبقات الكبري (8/ 211)