ولو قيض لهذه المادة من يستقصيها، ويؤلف بينها لخرج بمادة ضخمة في فن الحوار.
5_ كثرة المؤلفات في الحوار: فلا تكاد المؤلفات في الحوار، وأصوله، وآدابه، ومقوماته _ تحصى كثرة، وذلك في كافة لغات العالم.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، وسَيُذكَرُ شيءٌ من ذلك في تضاعيف البحث، وفي فهرس المراجع والمصادر.
6_ ما يترتب على الحوار من الثمرات: فللحوار المنهجي المنضبط آثارُه الجميلة، وثمراته اليانعة سواء على المحاور نفسه، أو على من يحاورهم، أو ينوب عنهم؛ فهو مفيد في إيصال الفائدة للآخرين، ومفيد في تدريب المحاور نفسه؛ إذ يرتقي بطريقة تفكيره وأدائه، ويعلمه ضبط نفسه ولسانه وقلمه، ويُقوِّي لديه مَلَكَةَ المحاكمةِ والتفكير المتزن مما يجعله مقبولًا من الآخرين، ويجعل اقتناعهم بأفكاره أعظم أثرًا [1] .
والحوار _كذلك_ مفيد في استنباط الآراء السديدة، وتحريك الأذهان الراكدة.
بل إنه من أعظم أسباب البهجة والسرور؛ فلذة المحادثة من أعظم لذات الدنيا.
قيل لحكيم: ما بقي من ملاذِّك؟ قال: =مناقلةُ الإخوانِ الحديث على التلاع العُفر في الليالي القُمْر+ [2] .
وبالحوار الناجح تستجلب المودات، وتُوأد العداوات، وتساس التجارات.
وبه يزيد العلم، ويتسع الفكر، وتُجْلَبُ المصالح، وتدرأ المفاسد. [3]
والمحاور البارع يصل إلى مراده، ويتحقق له مطلوبه، ويَسْعَدُ قومُه من ورائه إذا كان مُقَدَّمَهم، أو المتكلم باسمهم.
ولهذا كثر في كتبِ التراجم والسيرِ ذِكْرُ مَنْ كان سببًا في إسعاد قومه، وتحقيق مطالبهم إذا كان سفيرًا لهم.
ومن هذا القبيل ما جاء في مناقب وزير الأندلس محمد بن الخطيب السلماني؛ إذ قال عند سفارته عن ملك غرناطة إلى ملك المغرب ابن عنان أبياته المشهورة التي ارتجلها عند الدخول عليه، والتي يقول طالعها:
(1) _ انظر في أصول الحوار ص 7.
(2) _ عيون الأخبار لابن قتيبة 1/ 259.
(3) _ انظر الحوار دائمًا د. شوقي أبو خليل ص 5_13.