فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 184

وليس المقصود مما مضى أن يُسرفَ في إعطاء الحرية المطلقة للصغير، فَيُلْقَى له الحبل على الغارب، ويفتح الباب على مصراعيه، فيسمح له بالصفاقة والوقاحة، ويُرضى عن تطاوله وإساءته، ويُضحك له إذا صدر منه عباراتٌ نابية أو كلمات ساقطة؛ زعمًا أن ذلك من باب إعطائه الفرصة وتدريبه على الكلام!

لا، ليس الأمر كذلك؛ فالرضا عن سفاهته وتطاوله يغريه بقلة الأدب، والضحك له حال صدور الكلمات القبيحة منه يعد حافزًا له بتكرارها.

فالمقصود أن يؤخذ بيده إلى الآداب المرعية، وأن يدرب على الكلام في حدود الأدب واللياقة بعيدًا عن الإسفاف والصفاقة. [1]

وهكذا نفيد من السيرة النبوية هذا الأدب العالي، والأسلوب الرفيع في تربية الصغار من خلال الحوار. [2]

لقد خرج النبي"في بيئة عربية، تتنافس في نظم القصيد، والرجز؛ فكان من دواعي إعجابها، واغتباطها ما كان يفيض من قرائح شعرائها، وخطبائها في المفاخرات، والمنافرات، والحَمَالات، والمهادنات."

وما كان لكل عربي أن ينفتق لسانه بقول الجيد من الشعر أو النثر؛ فقد يأتي الجيل والجيلان والقبيلة العظيمة لا يظهر فيها شاعر أو خطيب يعلي صوتها، ويعدد من عام إلى عام مآثرها، ويرفع _ بما ينشؤه _ الضيم عن أهلها، ويُرهب بسلطان بلاغته عدوها. [3]

ولقد كان الشعر آنذاك أشبه بوزارة الإعلام في عصرنا الحاضر؛ فكان له صولة وجولة، ونفوذ ووقع في النفوس؛ فكان يخلد المآثر، ويبين المروءات والمكارم.

(1) 1_ انظر تربية الأطفال في رحاب الإسلام لمحمد الناصر وخولة درويش ص 323_325، ومشكلات تربوية في حياة طفلك لمحمد رشيد العويد ص 37_41.

(2) _ انظر أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة ص 41_42.

(3) _ انظر أمراء البيان لمحمد كرد علي ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت