فهرس الكتاب
فهذا شيء من حواراته مع النصارى، ونلاحظ فيها قوة الحجة، وجمال الحق، وشدة التأثير والإقناع.
ولولا أن أولئك النفر من النصارى كانوا أهل هوى وإيثار للدنيا على الآخرة لأسلموا وأذعنوا.
ولكنهم أصروا على كفرهم مع وضوح الحق، وعلمهم بذلك.
ولو كانوا على يقين من أمرهم لباهلوا النبي"."
قال ابن القيم× في معرض حديث له عن ذكر فوائد تلك القصة: =ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب، ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامُه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة؛ فليولِّ ذلك إلى أهله، وليخلِّ بين المطي وحاديها، والقوس وباريها+ [1] .
المثال الثاني: ما جاء في قصة قدوم عدي بن حاتم الطائي ÷: يقول ابن هشام×: =وأما عدي بن حاتم فكان يقول فيما بلغني: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله"حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرأً شريفًا، وكنت نصرانيًا، وكنت أسير في قومي بالمرباع [2] فكنت في نفسي على دين وكنت ملكًا في قومي، لما كان يُصنع بي."
فلما سمعت برسول الله"كرهته، فقلت لغلام كان لي عربيٍّ، وكان راعيًا لإبلي: لا أبا لك، أعدد لي من إبلي أجمالًا ذُلُلًا سمانًا، فاحتبسها قريبا مني؛ فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني; ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي، ما كنت صانعًا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن؛ فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد."
قال: فقلت: فقرب إلي أجمالي، فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام؛ فسلكت الجوشية، ويقال الحوشية فيما قال ابن هشام وخلفت بنتًا لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها+ [3] .
(1) _ زاد المعاد 3/639.
(2) _ أي آخذ ربع الغنيمة، وكذلك كان يفعل الرؤساء في الجاهلية.
(3) _ السيرة النبوية لابن هشام 4/166_167.