فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 184

ولو أراد باحث أن يستقصي ما فيه مما يتعلق بالحوار لطال به المقام؛ فانظر كيف اسْتُقْبِلَ _عليه الصلاة والسلام_ بذلك الاستقبال الفاتر الذي لا يليق بأحط الناس؛ فكيف بخير الناس؛ حيث غطى ابن أبي أنفه بردائه؛ إشارة إلى الكراهية.

ولم يكتف بذلك، بل قال: =لا تغبروا علينا+ فاجتمع في الإساءةِ إشارةُ اليد، وإطلاقُ اللسان.

ولم ينل ذلك الموقف نيله من النبي _ عليه الصلاة والسلام_ بل سلَّم عليهم؛ فلم يقابل إساءتهم إلا بالإحسان، ثم وقف، وتواضع؛ فنزل عن دابته، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، ثم أعطى الفرصة لمحاوريه، فتقدمهم عبدالله بن أبي، فقال بكل صفاقة وشك: =أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك؛ فمن جاءك فاقصص عليه+.

فقد نادى النبيَّ"بنداء المُنْكِر له ولنبوته؛ فقال: =أيها المرء+."

ولم يقل: يا نبي الله، أو يا أبا القاسم، أو يا محمد.

ثم أي أذية سوف تنالهم من حديث هذا النبي الأكرم حتى يقول ابن أبي: =فلا تؤذنا به+؟

وبعد أن اسْتَبَّ المجلس، وكادوا يتقاتلون صار _عليه الصلاة والسلام_ يخفضهم بلهجته الهادئة الرحيمة حتى سكتوا.

ثم لما لم يجد للحوار قيمة بعد ذلك ركب دابته، وانصرف.

وهل وقف الأمر عند هذا؟ لا، بل إنه لما دخل على سعد بن عبادة قال _عليه الصلاة والسلام_: =يا سعد! ألم تسمع ما قال أبو حباب _يريد عبدالله بن أبي_ قال: كذا وكذا+.

فتأمل هذا الأدب الرفيع، وهذه النفس الكبيرة، وذلك القلب المفعم بالحب، والعدل، والإحسان؛ لم يقل: ألم تسمع ما قال ذلك الأشقى، أو الألد، أو غيرها من الألفاظ التي تليق بعبدالله بن أبي، بل لم يُسَمِّه باسمه المجرد، ولم يقل: ابن أبيٍّ، وفي ذلك عدل، وإقساط.

وإنما ارتقى؛ ليفصح عما هو أعظم من ذلك، وليبين مدى تسامحه، ورقته، ورأفته، وسلامة صدره، وترفعه؛ فَكَنَّاه بكنيته وقال: =أبو حباب+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت