فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 184

والتكنية المحببة إلى الإنسان هي مما يسره؛ ولا يقولها من في نفسه غضب أو غضاضة، ومع ذلك كناه بكنيته المحببة إليه، مع أن ابن أبيَّ ناداه بـ: يا أيها المرء _كما مر_.

ثم تأمل ما كان من ذلك السيد الألمعي الصحابي الجليل سعد بن عبادة؛ حيث لمح تأثر النبي"وأدرك سَعَةَ نفسه، وكِبَرَ قلبِه بتكنيته ابن أبي، فأراد تسليته، وطلبَ العفو منه؛ فطابت نفسه _عليه الصلاة والسلام_ وعفا عن ابن أبي."

وهل صار لذلك الحوار، وتلك الإساءة من ابن أبي أثر في نفس النبي"وهل قطع إحسانه عنه؟ أو جعلها ذريعة للوقيعة فيه؟."

وهل توقف ابن أبي عن مخازيه؟ لا؛ فهو الذي آذى النبي أيما أذية؛ حيث آذاه في بيته كما في قصة الإفك _ فهو الذي تولى كبره، وأشاع قالة السوء عن عائشة _رضي الله عنها_.

وهو الذي رجع بمن تبعه من الطريق يوم أحد، فخذل النبي"في أحرج أوقاته، وهو الذي قال _كما أخبر الله عز وجل عنه_: [لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ] (المنافقون:8) ."

وهو صاحب المواقف المشهورة بالخزي والشنار.

هذا الرجل الذي كان من شأنه ما كان لما مات طلب ابنُه من النبي قميصه؛ ليكفنه فيه؛ تطهيرًا له؛ فأعطاه قميصه كفنًا لزعيم المنافقين !

أرأيت أكرم من هذا الصنيع؟ وهل وقف الأمر عند هذا الحد؟

لا، بل مشى _ عليه الصلاة والسلام _ إلى قبره، فوقف يريد الصلاة عليه، فوثب إليه عمر بن الخطاب ÷ وقال: أتصلي على ابنِ أُبَيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ يعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله"وقال: =أخِّر عني يا عمرُ+."

فلما أكثر عليه قال: =إني خيِّرت فاخترت؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها+.

وذلك إشارة إلى قوله _تعالى_ في المنافقين: [اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ] (التوبة:80) .

ففي الخيار بين أن يستغفر أو لا يستغفر نزعت به طبيعته الرحيمة إلى الاستغفار لأعدائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت