أين هذا الحوار الراقي من كثير مما نراه في حروب اليوم، من الغطرسة، والكبر، وظلم الضعفاء، وإذلالهم؟!
خامسًا: حواراته مع الزعماء والملوك: لقد كان _عليه الصلاة والسلام_ يدعو الناس جميعًا إلى دين القَيِّمة.
ومن أولئك الناسِ الزعماءُ والملوك؛ فقد كان يحاورهم بالتي هي أحسن، إما حوارًا مباشرًا، أو عبر الكتب التي يكاتبهم بها، أو يرسل إليهم رسلًا، ويعلمهم كيف يحاورون أولئك.
وكان في ذلك كله يأخذ بالحكمة مع أولئك؛ فيحاورهم بما يليق بهم من مراعاة أحوالهم، وتنزيلهم منازلهم، ومخاطبتهم بما هو أدعى لهدايتهم، وأقرب إلى جلب المصالح للمسلمين، ودفع الغوائل عنهم.
وقد مر في فصول مضت شيء من ذلك كما في مكاتباته لهرقل عظيم الروم، وكما في حواره مع ثمامة بن أثال _وهو من زعماء قومه_ وكما في حواره مع عدي بن حاتم.
قال ابن القيم × في فصل من فصول كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد: =فصل في كتبه ورسله"إلى الملوك+."
قال: =لما رجع من الحديبية كتب إلى ملوك الأرض، وأرسل إليهم رُسَلَه، فكتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا إذا كان مختومًا؛ فاتخذ خاتمًا من فضة، ونقش عليه ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، وختم به الكتب إلى الملوك، وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع+. [1]
ثم شرع ابن القيم × في تفصيل ذلك، وبيَّن ما دار بين أولئك الرسل الذين بعثهم النبي"، ومن أرسلوا إليه من الملوك، وأن أوَّلَ أولئك الرسل عمرو بن أمية الضمري بعثه النبي"إلى النجاشي؛ فعظم كتاب النبي"، وأسلم، وشهد شهادة الحق."
وثاني أولئك الرسل: دحية الكلبي الذي بعثه إلى قيصر ملك الروم، وقد مضى الحديث عنه، وأنه همَّ بالإسلام، وكاد ولم يفعل.
وثالثهم: عبدالله بن حذافة السهمي الذي بعثه إلى كسرى؛ فمزق كتاب النبي"فمزق الله ملكه، وملك قومه."
(1) _ زاد المعاد 1/119.