فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 184

وإذا سئل عما لا يعلم توقف عن الإجابة بأن يقول: لا أدري، أو لعلي أراجع المسألة، أو أتأكد منها، أو أسأل عنها، أو نحو ذلك.

فالمحاور قد يقع في حال يرى أن الاعتراف بالجهل يذهب بشيء من احترام مُحَاوِرِه أو من يحضر تلك المحاوَرة، فيقف بين داعيين: فضيلة الأمانة تدعوه إلى أن يقول: لا أدري، وحرصه على أن يبقى احترامُه في نفوس سائليه غير منقوص يدعوه إلى أن يستمد من غير الحقيقة جوابًا.

وفي مثل هذه الحال يظهر مقدار صلة المحاور بالأمانة العلمية؛ فإن كان راسخًا فيها رسوخ الجبل تشتد به العواصف فلا تزحزحه قِيْدَ شعرة _أجاب داعيها، واستيقن أن الاحترام الحق في الوقوف عند حدودها.

وإن كانت الأمانة كلمة يقولها بفمه، ويسمعها بأذنه دون أن تتخلل مسلك الروح منه _آثر لذة الاحترام في ذلك المشهد، وأجاب بما ليس له به علم.

ثم إذا أبديت في العلم رأيًا، ثم أراك الدليل القاطع أو الراجح أن الحق في غير ما أبديت _فلا تستوحش من الرجوع إلى الحق؛ فلك في ذلك سلف رفع الله ذكرهم، وكان مما رفعهم به وقوفُهم عند حدود الأمانة؛ فمقتضى الأمانة _والحالة هذه_ أن تصدع بما استبان لك أنه الحق، ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إلى سوء النظر فيما رأيته سالفًا؛ فما أنت إلا بشر، وما كان لبشر أن يبرأ نفسه من الخطأ، ويدعيَ أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صوابًا [1] .

هذا وإن في توقف الإنسان عما لا يعلم، ورجوعِه إلى الحق إذا تبين _فوائد كثيرة منها: أن هذا هو الواجب عليه، وأن ذلك يفتح له باب العلم، كما أن في ذلك رفعةً للقدر، وإرشادًا للمتعلمين، وتربيةً لهم؛ فإذا رأى المتعلمون من المحاور البارع التوقف فيما لا يعلم_ كان ذلك تعليمًا، وإرشادًا لهم؛ كي يسلكوا هذه الطريقة بلا تحرج.

(1) _ انظر رسائل الإصلاح 1/16_17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت