فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 184

والاقتداء بالأحوال والأعمال أبلغ من الاقتداء بالأقوال؛ فإذا فات المحاور أن يجيب محاوره بالعلم عما سأله لم يَفُتْهُ أن يعلمه خلقًا شريفًا وهو ألا يتحدث في العلم إلا عن علم وبصيرة؛ فيسلم بذلك من الإثم، ويرفع مقامه من أن يرمى بضعف الرأي، وقلة الأمانة.

فإذا كانت الأمانة في العلم منبع حياة الأمم، وأساس عظمتها _زيادة على أنها الخصلة التي تكسب صاحبها وقارًا وجلالة _كان حقًا علينا أن نربي نشأنا من طلاب العلم على الأمانة في حواراتنا، وأن نتخذ كل وسيلة إلى أن نخرجهم أمناء فيما يروون أو يصفون، وذلك بأن نتحرى الأمانة فيما نروي، ولا نجيب سؤالهم إلا بما ندري أو بقولنا: لا ندري.

وإذا أوردنا رأيًا اسْتَبَنَّا بعدُ أنه مأخوذ من غير أصل قلنا لهم في صراحة: قد أخطأنا في الفهم، أو خرجنا على ما تقتضيه أصول العلم.

ثم علينا _ بعد أن نقوم بحق الأمانة _ ملاحظةُ سير الطلاب، فإذا وقعوا فيما يدل على أنهم غافلون عن رفعة شأن الأمانة، وغزارة فوائدها _أرشدناهم إلى أن العلم بغير أمانة شر من الجهل، وأن ذكاءً لا يصاحبه صدق اللهجة نكبة في العقل. [1]

وهكذا نفيد هذا الدرس العظيم في الحوار من السيرة النبوية الشريفة.

وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في مباحث آتية.(

العدل قوام الحياة، والسموات والأرض ما قامت إلا بالعدل.

قال _تعالى_: [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا] (الأنعام: 152) .

وقال: [وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) ] (الرحمن) .

قال ابن حزم ×: =وجدت أفضل نعم الله _تعالى_ على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره+. [2]

(1) _ انظر تذكرة السامع والمتكلم ص78_79، والفتاوى السعدية ص452_453، ورسائل الإصلاح 1/16_ 21 و 89.

(2) _ الأخلاق والسير لابن حزم ص37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت