ويرى بعض الباحثين أن الجدال المذكور في قوله _تعالى_ عن قوم نوح _عليه السلام_: [قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا] (هود:32) .
وقولِهِ _تعالى_: [فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ] (هود: 74) داخل في الجدل المحمود؛ لأن جدال رسل الله _عز وجل_ جدال محمود، وليس فيه لجاج ولا خصومة. [1]
ولم يرد لفظ (الحوار) في القرآن الكريم إلا في ثلاثة مواضع، وهي قوله _تعالى_: [فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا] .
وقوله: [قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ] .
وقوله: [قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] .
على أن الحوار يرد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة جدًا، وإن لم تستعمل مادته نفسها، وإنما تستعمل كلمة: [قَالَ] التي وردت في القرآن الكريم سبعًا وعشرين وخمسمائة مرة [2] .
ومرادُّة القول هي الحوار.
ومن هنا يتحصَّل أن الجدال مذموم في أغلب أحواله؛ لقيامه على اللدد، والمراء، والخصومة ونحوها من المعاني.
أما الحوار والمحاورة فهو مراجعة الكلام بين طرفين، بحيث ينتقل من الأول إلى الثاني، ثم يعود إلى الأول، وهكذا دون أن يكون بين هذين الطرفين ما يدل بالضرورة على وجود نزاع، أو لدد.
فالحوار بهذا الاعتبار ضرب من ضروب الأدب الرفيع يغلب على أجوائه _في الجملة_ الهدوءُ، وبرودة الأعصاب، والبعد عن التشنج، والتعصب [3] .
(1) _ انظر أدب الحوار في الإسلام للأستاذ غسان القين ص 33_34.
(2) _ انظر: في أصول الحوار ص 12، والحوار آدابه، وضوابطه في ضوء الكتاب و السنة للأستاذ يحيى زمزمي ص 24.
(3) _ انظر: في أصول الحوار ص 11، ومناهج الجدل ص 29_30.