والشواهد على ذلك من السيرة النبوية كثيرة، ومن أحسن ما يمثل هذا الأدب الجميل ما جاء في خبر مشورة الحباب بن المنذر÷ في غزوة بدر، ومما جاء في ذلك الخبر أن الله _عز وجل_ بعث السماء، فأصاب رسولَ الله"والمسلمين ماءٌ لبَّدَ لهم الأرض، وأصاب قريشًا ماءٌ لم يقدروا أن يرتحلوا معه، ثم رحل رسول الله"بالمسلمين، وقال لهم: =سيروا على بركة الله؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين؛ فكأني أنظر إلى مصارع القوم+.
ثم مضى يبادر قريشًا إلى الماء إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به.
فجاء الحباب بن المنذر بن الجموح أحد بني سلمة إلى رسول الله"فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟"
أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: =بل هو الرأي والحرب والمكيدة+.
قال: يا رسول الله؛ فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض حتى نأتي أقرب قليب القوم، ثم نُغَوِّر ما سواه من القُلُب، ثم نبني حوضًا؛ فنملأه، ثم نقاتل، فنشرب، ولا يشربون.
فقال رسول الله": =قد أشرت بالرأي+."
ثم أمر بإنفاذه؛ فلم يجئ نصفُ الليل حتى تحولوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء. [1]
ففي هذه القصة أدب نبوي عظيم من آداب الحوار؛ حيث استمع النبي"إلى مبادرة الحباب، وفيه أدب الحباب مع الوحي؛ حيث سأل هل هذا من قبيل الوحي والنص الذي لا اجتهاد معه؟"
أو هو من قبيل الرأي القابل للأخذ، والرد، والمداولة؟
ولما تيقن الحباب أنه من قبيل الرأي أبدى رأيه بكل صراحة وأدب.
ولما رأى النبي"وجاهة رأي الحباب قَبِلَه، وعَدَلَ عما كان مقبلًا عليه."
وفي هذا رفعة لشأن الحباب، وإشادة برجاحة رأيه، ونفاذ بصيرته.
(1) _ رواه ابن هشام 2/ 366 عن ابن إسحاق قال: =فحدثت عن الرجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب ... +.
وقال الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي ص 240: =وهذا سند ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة، وقد وصله الحاكم 3/ 26_27+.