وقد وقع ذلك موقعه من الحباب؛ فصار ذلك من مفاخِرِه الذي يتحدث بها؛ فقد روى الحاكم في المستدرك أن الحباب بن المنذر قال: =أشرت على رسول الله"يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني؛ خرجت مع رسول الله"في غزاة بدر، فعسكر خلف الماء، فقلت: يا رسول الله! أبوحي أو برأي؟
قال: =برأي يا حباب+.
قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك؛ فإن لجأت لجأت إليه؛ فقبل ذلك مني+ [1] .
ومما يحسن التنبيه عليه أن الرجوع عن الرأي إذا كان الحقُ في خلافه، أو العدول عنه إلى رأي خير منه _ لا ينافي الثبات على المبدأ؛ إذ إن الذي ينافي ذلك: التنازلُ عن المبدأ الثابت، وذلك من آفات الحوار، ومما يتنافى والحزمَ.
ولكن ليس معنى ذلك أن يصر المرء على لجاجه وعناده بعد أن يتبين له الحق، بل الحكمة والعدل أن يرجع عن رأيه وقوله إذا لاح له وجه الصواب.
وإنما المقصود أن يثبت على مبدئه، ولا يرجع عما عقد عليه قلبه إلا إذا تبين له خلاف ذلك بالبرهان الساطع، والدليل القاطع.
قال ابن حزم×: =الثبات الذي هو صحة العقد، والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهًا لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق.
والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل، أو ما فعله الفاعل نصرًا لما نشب فيه، وقد لاح له فساده، أو لم يَلُحْ له صوابه ولا فساده، وهذا مذموم، وضده الإنصاف.
وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق، أو على ما اعتقده المرء حقًا ما لم يَلُحْ له باطله، وهذا محمود، وضده الاضطراب.
وإنما يلام بعض هذين لأنه ضَيَّع تدبر ما ثبت عليه، وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل+. [2]
وقال العقاد: =العناد، والثبات على الرأي نقيضان؛ العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه.
(1) _ المستدرك 3/ 482، وانظر جوامع السيرة لابن حزم ص 85.
(2) _ الأخلاق والسير ص 57.