وإن لم يصادف قبولًا صعبت الحال، واحتاج الأمر إلى خبير بأحوال النفوس، حاذقٍ في طُرُق العلاج، ووسائل الشفاء من ذلك النّّفار وهذا الشّماس. [1]
قال أبو هلال العسكري ×: =إذا كان الابتداء حسنًا بديعًا ومليحًا ورشيقًا كان داعيةَ الاستماعِ لما يجيء بعده من الكلام.
ولهذا المعنى يقول الله _عز وجل_: [الم] ، و [حم] ، و [طس] ، و [كهيعص] .
فيقرع أسماعهم بشيء بديع ليس لهم بمثله عهد؛ ليكون ذلك داعيةً لهم إلى الاستماع لما بعده، والله أعلم بكتابه.
ولهذا جعل أكثر الابتداءات بـ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] لأن النفوس تتشوق للثناء على الله؛ فهو داعيةُ الاستماع+. [2]
هذا وإن المحاورين يختلفون في استفتاحاتهم؛ فمنهم من يستفتحها بما يشير إلى موضوعها، ويلوِّح بالقصد منها.
ومنهم من يبتدئ بالثناء على السامعين؛ ليهيء نفوسهم؛ لتلقي كلامه بالقبول؛ إذ لا شيء يهز أعطاف السامعين كالثناء عليهم، خصوصًا إذا كان من غريب عنهم، فذلك أسلوب بديع، وباب واسع يصح الدخول فيه بشرط الاتزان، وضبط النفس.
ومنهم من يتودد للسامعين، ويتواضع لهم، ويخاطبهم بأحسن صفاتهم، ويشعرهم بمحبتهم، وأنه ساعٍ لما فيه مصلحتهم.
ومهما يكن من أمر الافتتاح فينبغي أن يكون قصيرًا موجزًا؛ لئلا يشغل الذهن، ويضيع الوقت.
وينبغي _أيضًا_ أن لا يكون مبتذلًا تمجه الأسماع، ولا تسيغه النفوس.
ثم إن الافتتاح قد لا يلزم خصوصًا إذا أراد المحاور الإيجاز؛ لضيق الوقت، أو نحو ذلك، بل يدخل في الموضوع مباشرة. [3]
ولقد كانت حوارات النبي"تفتتح بأحسن ما ينبغي أن يستفتح به؛ حيث كان يهيئ النفوس، ويجتذب الأذهان لما سيقوله، وكان يتودد للناس في كثير من بدايات حواراته، إلى غير ذلك مما يحسن أن يفتتح به الكلام."
والأمثلة على حسن استفتاحاته _عليه الصلاة والسلام_ كثيرة، ومنها ما يلي:
(1) _ انظر الخطابة ص 79.
(2) _ كتاب الصناعتين ص 437.
(3) _ انظر أدب الموعظة ص 67_68.