فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 141

-وقال ابن القيم: (إن الذي دلَّت عليه سنةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثارُ أصحابه أن الماء لا ينجُسُ إلا بالتغير وإن كان يسيرًا، وهذا قول أهل المدينة، وجمهور السلف، وأكثر أهل الحديث، وبه أفتى عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، ومالك بن أنس، وبه قال أهل الظاهر، ونصَّ عليه أحمد في إحدى روايتيه، واختاره جماعة من أصحابنا، منهم: ابن عقيل في مفرداته، وشيخنا أبو العباس ابن تيمية، وشيخه ابن أبي عمر) [1] ، [2] .

إشكال:

قال بعضهم: إن حديث القلتين يعارض حديث: (( الماء طهور لا ينجسه شيء ) ).

نقول - وبالله التوفيق: إن للعلماء مسالكَ في التوفيق بين الحديثين على النحو التالي:

-المسلك الأول: قالوا بضعف حديث القلتين؛ للاضطراب في متنه وسنده، فلا تعارض حينئذٍ؛ لأن الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة.

-المسلك الثاني: قالوا: الحديث صحيح، وذهبوا إلى الترجيح، فقالوا إن حديث: (( الماء طهور لا ينجِّسه شيء ) )، صريح بمنطوقه على أن الماء طاهر لا ينجسه شيء.

أما حديث القلتين، فمفهومه يدل على أن ما دون القلتين يحمل الخبث، وعلماء الأصول يقولون: إن دلالة المنطوق إذا تعارضت مع دلالة المفهوم، قُدِّم دلالة المنطوق.

-وسلك بعضهم مسلكًا آخر للترجيح، وهو أن حديث: (( الماء طهور لا ينجسه شيء ) )عامٌّ، وحديث (القلتين) خاصٌّ، وعلماء الأصول عندهم: (إذا تعارض العام والخاص، قُدِّم الخاص) .

فأصبح عندنا الآن منطوق عام، ومفهوم خاص، ولكن العلماء يقدِّمون دلالة المنطوق على دلالة المفهوم؛ لأنه أقوى في الدلالة، وهذا نظير قولِه - تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ

(1) إغاثة اللهفان بتصرف 156.

(2) قال فضيلة الشيخ رمضان بن قرني معلقًا: أقول - وبالله عز وجل التوفيق: إن القول باعتبار التأثير وتغير اللون أو الطعم أو الرائحة يُرِيح المكلَّف ويريح طالب العلم؛ لأننا لو قلنا بالقُلَّتين فربما يؤدِّي إلى الوسوسة، هل بلغت القلتين أم لم تبلغ؟ فيدخل من الوسوسة على المكلَّف ما لا يعلمه إلا الله، والشريعة شريعة يُسْر وتخفيف وسماحة، واعتبار مذهب القلتين تتفرَّع عليه مسائل دقيقة ومضنية، فالقول ما قال المحققون: إن الأمر مَرَدُّه إلى التأثير، وإن العبرة بالتأثير، فأصبح المكلَّف مَرَدُّه إلى المؤثر الحقيقي، والحمد لله الذي جعل لنا فرجًا ومخرجًا في المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت