-اعلم أن المتبقي من الشرب لا يخلو أن يكون من آدمي أو من حيوان.
-أما سؤر الآدمي، فلا يخلو أن يكون مسلمًا أو غير مسلم، فالمسلم سؤره طاهر بل خلاف، والدليل قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن المؤمنَ لا ينجُسُ ) ) [1] .
-وكذا سؤر الحائض طاهر، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كنتُ أشرب وأنا حائضٌ، ثم أناوله النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشربُ، وأتعرَّق العَرْق وأنا حائض، ثم أناوله النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع فيَّ" [2] .
وأما غير المسلم، ففيه خلاف، والراجح طهارة سؤره كذلك؛ لما ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضَّأ من مزادة مشركة [3] .
وربطه - صلى الله عليه وسلم - ثمامة بن أثال وهو مشرك في سارية المسجد [4] .
وأما مَن قال بنجاسة سؤر الكافر، فتعلق بقوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] ، فالمقصود بالنجاسة هنا النجاسة المعنوية، وهي نجاسة الاعتقاد.
أما الحيوان، فإما مأكول اللحم، وإما غير مأكول اللحم؛ فمأكول اللحم سؤره طاهر بلا خلاف، والدليل على ذلك الإجماع، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أُكل لحمه طاهر، ويجوز شربه والوضوء به) [5] .
وأما غير مأكول اللحم، فسؤرها طاهر عدا الكلب والخنزير على الراجح، وفي المسألة تفصيل على النحو التالي:
(1) جزء من حديث متفق عليه: البخاري 283، ومسلم 371، من حديث أبي هريرة قال: لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا جُنُب، فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعَد، فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلتُ ثم جئت وهو قاعد، فقال: (( أين كنت يا أبا هر؟ ) )، فقلت له، فقال: (( سبحان الله يا أبا هر، إن المؤمن لا ينجس ) ).
(2) مسلم 300، أتعرَّق العَرْق هو العظم الذي عليه بقية من لحم، هذا هو الأشهر في معناه، وقال أبو عبيد: هو القدر من اللحم، وقال الخليل: هو العظم بلا لحم، وجمعه عُراق بضم العين، ويقال: عرقت العظم وتعرَّقته واعترقته: إذا أخذتَ عنه اللحم بأسنانك.
(3) معنى حديث عند البخاري 344، ومسلم 682، من حديث عمران بن حصين، وليس لفظًا.
(4) البخاري 469، ومسلم 1764، من حديث أبي هريرة يقول: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلًا قِبَل نجدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد.
(5) الإجماع 31، وكذا قال ابن القطان في مسألة 299، وكذلك في المغني 1/ 70، انظر: الإجماع لابن المنذر بتعليق شيخنا مصطفى بن سعد - حفظه الله.