قلت: وهو الراجح؛ لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، ولأمره بها.
عن أبي هريرة، قال:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى الخلاء، أتيتُه بماء في تَوْرٍ أو رَكْوَة فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيتُه بإناء آخر فتوضَّأ" [1] .
ولنهيه عنه؛ فعن سلمان قال: قيل له: قد علَّمكم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - كل شيءٍ حتى الخراءةَ؟! قال: فقال: أجلْ، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برَجيعٍ أو بعظمٍ" [2] ."
ولأمره به؛ فعن عبدالله بن مسعود يقول: أتى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الغائط فأمرني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: (( هذا رِكْس ) ) [3] ، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينهاهم إلا عن شيء محرم، ولا يأمرهم إلا بأمر واجب.
وعن ابن عباس قال: مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بحائطٍ من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوتَ إنسانينِ يُعذَّبانِ في قبورهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( يعذَّبانِ وما يعذَّبانِ في كبير ) )، ثم قال: (( بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة ) )، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتينِ، فوضع على كلِّ قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله، لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: (( لعله أن يخفِّف عنهما ما لم تيبسا أو إلى أن ييبسا ) ) [4] ، زاد مسلم: (( وكان الآخرُ لا يستنزِهُ عنِ البولِ أو من البولِ ) )، ومعلوم أن العذاب لا يقع إلا على شيء يلزم الطهارة منه [5] .
فائدة: هل يلزم الاستنجاء بثلاثة أحجار؟
ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا ذهب النجس؛ لأن الوتر يقع على الواحد فما فوقه، والوتر عندهم مستحب ليس بواجب، فإذا كان الاستنجاء عندهم ليس بواجب، فالوتر من باب أولى، واستدلوا بحديث عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن اكتحل فليُوتِر، من فعل فقد أحسن، ومَن لا فلا حرج، ومَن
(1) حسن: أبو داود 45، والبيهقي في السنن الكبرى 452، وحسنه الألباني.
(2) مسلم 262، وأبو داود 7، والترمذي 16.
(3) البخاري 156، والترمذي 17.
(4) البخاري 216، مسلم 292.
(5) انظر المسألة: البناية شرح الهداية 1/ 747 - 749، والبيان في مذهب الشافعي 1/ 213 - 214.