فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 141

2 -قالوا بأن أحاديث ترك الوضوء منسوخة بأحاديث الأمر بالوضوء.

وأجيب عنه بأن القول بالنسخ دعوى بلا دليل فلا تقبل.

وأما تأويلهم حديث جابر بن عبدالله، فهو خلاف الظاهر بغير دليل، فلا يقبل أيضًا، وهذه الرواية المذكورة لا تخالف كونَه آخر الأمرين، فلعل هذه القضية هي آخر الأمرين، واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء، ويجوز أيضًا أن يكون ترك الوضوء قبلها، فإنه ليس فيها أن الوضوء كان لسبب الأكل؛ قاله النووي.

قلت: ومن المعلوم أن الدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، كما أن دعواهم النسخَ لا دليلَ عليها؛ لعدم معرفة التاريخ وأيهما أسبق من الآخر، وقد تقدَّم كلام أبي داود السجستاني في توجيه حديث جابر: (كان آخر الأمرين) ، بأنها قضية عين، وليس المقصود ترك الوضوء مطلقًا.

ثانيًا: لا نذهب إلى القول بالنسخ إلا عند تعذُّر الجمع، وهو منتفٍ هنا؛ فحديث جابر بن عبدالله: (كان آخر الأمرين) عامٌّ، وأحاديث نقض الوضوء من أكل لحم الإبل خاصة، والقاعدة الأصولية: (حمل العام على الخاص) .

ثالثًا: أنه لا فرق بين أكل الإبل ولحم الغنم، فأمره بالوضوء من هذا والنهي عن هذا، ولو كان هذا قبل النسخ لأمر بالوضوء منهما جميعًا؛ قاله ابن قدامة.

3 -قالوا: المقصود بالوضوء هنا الوضوء اللُّغَوي، وهو غسل اليدين والمضمضة، وليس الوضوء الشرعي.

وأجيب عنه بأن الحمل على المعنى الشرعي مقدَّم على المعنى اللغوي، كما هو معروف في كتب الأصول والتفسير، ومما يدل على ذلك أن في حديث الأمر بالوضوء من لحم الإبل قرَنَ الأمر بالوضوء بالأمر بعدم الصلاة في مَبَارِكها، وهذا يفهم منه أن الوضوء هو وضوء الصلاة؛ قاله ابن قدامة.

كذا لو أراد غسل اليدين لما فرَّق بين لحم الإبل ولحم الغنم، فإن غسل اليدين منهما مستحبٌّ؛ قاله ابن تيمية.

قلت: وقد استدلَّ مَن قال بالوضوء اللُّغَوي بحديث عِكْرَاش بن ذُؤَيب، قال: أُتِي النبي - صلى الله عليه وسلم - بجَفْنةٍ كثيرةِ الثَّريدِ والوَدَكِ، فأقبَلْنا نأكُلُ منها، فخبطتْ يدي في نواحيها، فقال: (( يا عِكْرَاش، كُلْ من موضع واحدٍ، فإنه طعام واحد ) )، ثم أُتِينا بطبقٍ فيه ألوانٌ من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت