فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 141

فإذا كان هذا دأبَهم، وكانوا لا يقنَعون في أمرِ هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم، وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول ربِّ العزة، الواجب حكمُه، اللازمة طاعتُه، الذي يجب علينا التسليم لحكمه، والانقياد لأمره؛ من حيث لا نجد في أنفسنا حرجًا مما قضاه، ولا في صدورنا غلاًّ من شيء مما أبرمه وأمضاه؟! [1]

ومعلوم أن الأئمة عندما تكلَّموا وصنَّفوا في العلم والفقه، إنما أرادوا إظهار الحق بدليله، وأن كلام الرجال غيرُ مرادٍ لذاته، وإنما المرادُ هو إصابة الحق والوصول إليه، فمَن اختار طريقةً من الطريقتين، فله وجه من الحق والصواب، ولكن ينبغي التنبيه على عدم التعصب لأقوال الرجال، وإنما التعصب - إن صح التعبير - يكون للدليل. وإليك بعضًا من أقوال الأئمة في رد التمسك بأقوالهم وإنما التمسك بالدليل:

قال أبو حنيفة: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) [2] .

وقال مالك بن أنس: (ليس أحدٌ بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ويؤخذ من قوله ويُترَك إلا النبي - صلى الله عليه وسلم) [3] .

وقال الشافعي: (أجمع المسلمون على أن مَن استبان له سنةٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحلَّ له أن يَدَعها لقول أحد) [4] .

وقال أحمد: (لا تقلِّدني ولا تقلِّد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخُذْ من حيث أخذوا) [5] .

وهذا لا يعني أننا نترك قولَ واختيارَ الأئمة ونذهب فنأخذ بقول واختيار فلان وفلان، ولكن هو اتباعُ الدليل ندور وراءه حيث دار، فلا أحد كائنًا مَن كان مطلوب اتباعه إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ورحم الله ابن عباس؛ حيث قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول لكم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون: قال أبو بكر وعمر!) ، وهما مَن هما، إنهما أعلم الصحابة وأفضل الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين.

(1) معالم السنن للخطابي 1/ 3 - 5.

(2) الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء؛ لابن عبدالبر 145، وإعلام الموقعين؛ لابن القيم 2/ 309.

(3) الجامع؛ لابن عبدالبر 2/ 91.

(4) إعلام الموقعين 2/ 361.

(5) إعلام الموقعين 2/ 302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت