فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 160

[التغابن: 2] ؛ أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك كونًا لا شرعًا؛ فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال) [1] .

(ه) الأمر الكوني والأمر الشرعي:

قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] ، وأمر الله ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.

فالأمر الكوني قدري متعلق بمشيئته بما يحب وبما يكره؛ فهو سبحانه خلَق الملائكة وهو يحبهم، وخلق إبليس وهو يُبغضه؛ فمشيئته سبحانه وتعالى عامة بما يحب ويُبغِض.

وأما الأمر الشرعي فهو متعلق بأوامره التي يأمر بها عباده، وذلك كله محبوب لله؛ قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] .

وعلى هذا، فالمؤمن بإيمانه وافق الأمر الكوني والأمر الشرعي، والكافر بكفره وافَق الأمر الكوني الذي هو مشيئة الله، ولم يوافق الأمرَ الشرعي الذي هو محبوب لله.

وعلى هذا، فإرادة الله تنقسم إلى إرادة كونية، وهي مشيئته، وإلى إرادة شرعية، وهي محبته.

(و) الإيمان بالقدر لا يوجب الاتكالَ وتركَ العمل، ولكن يوجب الجد والاجتهاد.

فقد اتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال، بل يوجب الجد والاجتهاد، والحرص على العمل الصالح؛ ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف الأقلام بها، فقيل له: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: (( لا، اعملوا فكلٌّ مُيسَّر ) )، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] )) [2] .

فالله سبحانه قدر المقادير وهيأ لها أسبابًا، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسر كلًّا من خَلْقه لِما خُلق له في الدنيا والآخرة؛ فالعبد مهيأ له ميسر له، فإذا علم العبد

(1) معارج القبول (3/ 942) .

(2) البخاري (1362) ، ومسلم (2647) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت