(8) وردت في القرآن أفعال لله على سبيل الجزاء والمقابلة؛ كقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] ، وقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ، وقال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 14، 15] .
وهذه الصفات تكون مدحًا فيما سيقت فيه، لكن لا يجوز أن يشتق منها أسماءٌ مطلقة لله؛ فلا يجوز أن يقال عن الله: الماكر الخادع المستهزئ، بل لا تذكر إلا على سبيل الجزاء والمقابلة؛ فهو يمكر بالماكرين، ويستهزئ بالمستهزئين، فتكون في الحال التي سيقت فيه مدحًا وكمالًا، وأما إذا وُصِف الله بها وصفًا مطلقًا فتكون صفاتِ نقص وذم؛ فلا يجوز إطلاقها على الله.
(9) أسماء الله تعالى دالة على ذاته بالمطابقة، ويتضمن كل اسم الصفة المشتقة منه، كما أنه يدل على صفات أخرى بالإلزام؛ فمثلًا: الرحمن الرحيم يدلان على ذات الله؛ فالرحمن الرحيم هو الله، والقدير: هو الله، وكذلك كل اسم إنما هو علمٌ على ذات الله سبحانه؛ فالذات واحدة، والصفات متعددة، وهذا معنى المطابقة.
ثم إن"الرحمن الرحيم"يدلان على صفة الرحمة، وهي مشتقة من الاسم (الرحمن الرحيم) ، فهذا المعنى (الرحمة) يتضمنه هذان الاسمان، وهذا معنى دلالة التضمن، ثم إنهما - أي هذين الاسمين (الرحمن الرحيم) - يدلان على صفات أخرى؛ كالحياة والعلم التزامًا، فكونه"رحيمًا"إذًا هو حي عليم، فهذه صفات أخرى دلت عليها هذه الأسماء التزامًا.
(10) الأسماء الجامدة ليست من أسماء الله تعالى، ومعنى الجامدة التي لا يشتق منها أوصاف؛ كالدهر، والأبد، والأمد.
وهذا الذي أشكل على البعض حتى سمى الله"الدهر"؛ لِما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقولوا: يا خيبة الدهر؛ فإن الله هو الدهر ) ) [1] ، وفيه الحديث القدسي: (( يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار ) ) [2] ، وإزالة هذا الإشكال أن تعلم أن المراد أنهم حين يسبون الدهر فقد سبُّوا الذي يقلب الليل والنهار؛ لأنه هو الذي يفعل ما يريد، ويقلب الليل والنهار.
(1) البخاري (6182) ، ومسلم (2246) ، وأبو داود (5274) .
(2) البخاري (4826) ، ومسلم (2246) .