{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] نفي، لكنه يتضمن إثبات الكمال لله، وقوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] نفي، يتضمن كمال القيومية والحياة، وقوله: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} [سبأ: 3] نفي، يتضمن كمال العلم، وقوله تعالى: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38] نفي، يتضمن كمال القدرة.
2 يحاول بعض المبتدعة أن ينتقضوا منهج السلف، فيطلقوا بعض العبارات التي لم ترد في الكتاب والسنة؛ لكي يجادلوا بها، فمن ذلك على سبيل المثال: لفظ"الجهة"، و"المكان"، فإذا قيل لهم: إن الله فوق العرش، قالوا: إذًا معنى ذلك أننا نثبت لله جهة، أو نثبت له مكانًا.
وجواب ذلك أن يقال: إن لفظ"الجهة"و"المكان"لم يردا في الكتاب والسنة، لا نفيًا ولا إثباتًا؛ ولذلك نحتاج إلى أن نفهم مراد السائل فنسأله: ماذا تقصد بالجهة والمكان؟
فإن كان المقصود أن الله تحويه السماء، فنقول: هذا باطل ومنفيٌّ عن الله، وإن كان المقصود أن الله فوق مخلوقاته فوق السموات، فهذا حق نثبته لله؛ أي: إننا نقبل المعنى إذا كان موافقًا لمنهج السلف، ونرده إذا كان مخالفًا.
3 لماذا ضل مَن ضل ممن عطل صفات الله؟
إن هؤلاء المعطلة الذين نفوا عن الله صفاته، إنما فعلوا ذلك خشية أن يقعوا في التشبيه، فهم يزعمون مثلًا أنهم إذا أثبتوا أن الله مستوٍ على عرشه: أنهم شبهوه بالمخلوق، فيؤولون الصفة طلبًا للتنزيه، حتى قالوا:
وكل نصٍّ أوهم التشبيهَا = أوِّلْه أو فوِّض ورُمْ تنزيهَا
وهذا من سوء اعتقادهم وسوء فهمهم؛ فإنهم بدؤوا بالتشبيه، وانتهوا بالتعطيل، يعني: أنهم فهموا الآيات خطأ ابتداءً، فظنوا أنها تعني بظاهرها التشبيه، فأرادوا تنزيه الله عن هذا التشبيه الذي ظنوه، فأولوا الصفات، فانتهَوا إلى تعطيل الصفة عن الله؛ أي: إنهم وقعوا في التشبيه أولًا، فانتهى بهم الأمر إلى التعطيل.
ثم إن هذا المعطل وقع في شر مما فر منه؛ فإنه إذا نفى عن الله صفة اليد مثلًا، فقد شبهه بالمقطوع، أو بمن لا يد له، بناءً على فهمه، وإذا نفى الاستواء، وقال: هو بمعنى الاستيلاء، لكان مشبهًا لله بملوك الدنيا، وهذا كله من شؤم البدعة وتحكيم العقول على الشرع.
والصحيح من عقيدة أهل السنة خلاف ذلك: فإنهم يثبتون الصفات لله كما وردت في الآيات والأحاديث، لكنهم يفوضون كيفية الصفات، ولا يخوضون في ذلك؛ ولذلك قال الإمام مالك