ومن ذلك: النهي عن إطراء الصالحين والغلو فيهم:
قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله ) ) [1] ؛ رواه البخاري.
ومعنى"الإطراء": مجاوزة الحد في المدح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، حتى إذا هلك أولئك ونُسِي العلم، عُبِدت.
قال ابن القيم رحمه الله: (ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعلوا فيه حظًّا من الإلهية، وشبهوه بالله تعالى، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم، الذي أبطله الله سبحانه، وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله) .
وقال أيضًا رحمه الله: (وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها، والإقسام على الله بها؛ فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعائه وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به، ويستلم، ويقبَّل، ويُحَجُّ إليه، ويذبح عنده.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ونسكًا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم، وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، من تجريد التوحيد، وألا يُعبَدَ إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل هذه الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا رحمة لهم ولا قدر، فيغضب المشركون، وتشمئز قلوبهم؛ كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] .
(1) البخاري (3445) ، وأحمد (1/ 23) .