مقدمة:
أولًا القرآن لا يقف في هذا الشرح عند المؤمن بل يأتي بمعكوسه عند الكافر فقد أوضح القرآن إن الكافر يضيق صدره عند ذكر الله ويصيبه الإشمئزار قال تعالى (َمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ {الأنعام/125} ) وقال تعالى (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ {الزمر/45} ) وكل ذلك يحدث نتيجة خلو جهاز الذاكرة عند الكافر من الإيمان ومصحوبات الإيمان من الذكر وسنرى لاحقًا ما يترتب على ذلك من النسيان والإعراض وغيرها
أما بالنسبة للمؤمن فإن ذاكرة المؤمن تكون قد حملت الذكر (القرآن) فاختلط إسم الذكر والذاكرة ونور الإيمان مع نور القرآن لينتج عن ذلك تدفق كل المشتقات الخاصة بلفظ الذكر ومراحله داخل ذاكرة المؤمن بسبب الجلاء للقلوب الذي أحدثه نوري الإيمان القرآن كما جاء في الحديث (وقد أرشد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلى هذا فيما رواه البيهقي في الشعب، والقرطبي في التذكار:
«إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد. قالوا: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن» [1]
وهذا أول أثر علمي ديني للقرآن في الذاكرة
كذلك أوضح القرآن آثار أخرى جسدية وروحية للقرآن نفسه على المسلم
قال تعالى (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ {الزمر/22} ) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {الزمر/23} )
وهنا أوردت الآية أجهزة وصفات فأما الأجهزة فهي القلوب والجلود وأما الصفات فهي القشعريرة واللين فما هي علاقة هذه الأجهزة بالصفات من الجانب العلمي والديني لأثر القرآن داخل جسم العبد؟ هذا
(1) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (ج 2 ص 241 - حديث رقم 3924) من حديث عبد الله بن عمرو، ونسبه لابن شاهين في الترغيب في الذكر. وذكره أيضًا الذهبي في ميزان الاعتدال (9085) وابن حجر في لسان الميزان (576/ 6) وابن الجوزي في العلل المتناهية (347/ 2) وابن عدي في الكامل في الضعفاء (258/ 1) .