المبحث الأول
تعريف الإمام الغزالي:
شرف الإنسان وفصيلته التي فاق بها جملة أصناف الخلق باستعداده لمعرفته سبحانه وتعالي التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره والآخرة عدته وذخره وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه [1] وهو أي القلب الذي إذا عرفه الإنسان عرف نفسه وإذا عرف نفسه عرف ربه وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه وإذا جهل نفسه جهل ربه ومن جهل قلبه فبغيره أجهل، إذ أكثر الناس جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم فإن الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن وإنه كيف يهوي مرة إلي أسفل سافلين وينخفض إلي أفق الشياطين وكيف يرتفع مرة أخري إلي أعلي عليين ويرتقي إلي عالم الملائكة المقربين.
ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويصبو لما يلوح من خزائن الملكوت عليه فهو ممن قال الله تعالي فيهم {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [2] .
وإذا فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجري عن الجوارح من العبادات والعادات وهو العلم الظاهر ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجري في القلب من الصفات المهلكات والمنجيات وهو العلم الباطن.
بيان معني النفس والروح والقلب وما هو المراد بهذه الأسماء:
اللفظ الأول: لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين، أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم صنوبري مخصوص وفي باطن ذلك التجويف دم أسود وهو منبع الروح ومعدنه، ولسنا نقصد الآن شرح شكله، بل هو موجود للميت وللبهائم ونحن إذ أطلقنا لفظ القلب لم نعن به ذلك فهو قطعة من لحم لا قدر له ولا وزن وهو من عالم الملك والشهادة، إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلا عن الآدميين والمعني الثاني لطيفة لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب المعاتب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد تحيرت العقول في أكثر الخلق أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين:
(1) يعني المعرفة القلبية التي سترد لاحقا في هذا البحث حيث انسياب المعرفة القلبية إلي الجوارح.
(2) سورة الحشر آية: (19)