صميم الحق، كما جاء في آية أخرى، قوله تعالى (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي اضطلع إلى إله موسى) [1] .
أولًا لا بد من الاعتراف بحقيقة خلق الإنسان المعقدة التركيب من حيث وظائف الأجهزة داخل الجسم وخارجه من عقل - قلب - نفس - روح - جوارح وبالتالي وبنفس دقة الخلق في عمل هذه الأجهزة نزل الشرع بمنتهى الدقة بل ودقة تتوافق مع الإنسان وخلقه. فإذا كان خلق الإنسان يشير إلى أهمية القلب والمعرفة القلبية قبل العقل كان ذلك أكبر دليل على أهمية الإيمان قبل العمل ومن هنا كان القلب أولًا كما جاء في الحديث (حدثنا أحمد بن سنان حدثنا كثير بن هشام حدثنا جعفر بن يرقان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر غلى قلوبكم وأعمالكم) [2] . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا القلب؟
إن العبد بفطرته إذا عرض عليه أمر للفهم أولًا فهذا يعني بالنسبة له إنه حر طليق تجاه الأمر يفهمه حسب درجة عقله وفهمه للمور وينظر فيه ويحدد المصير تجاهه وهذه هي وظيفة العقل الحرة بدون قيادة القلب الفطرية وهذا هو مجال النفس وهواها كل حسب هواه، فإذا نزلت الشرائع بهذا الوضع لاختلف الناس وآرائهم وعقولهم ومستوى فهمهم، إلخ .. أما إذا كان الإيمان هو الأول والقلب هو الأول فهذا يفتح لنا باب الفطرة الصحيحة لفهم القلب الصحيح للأمور ظاهرًا وباطنًا، إيمانًا وتسليمًا، قال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما) [3] .
وهذا يكون كخطوة أولى يتبنى بعدها القلب القيادة لهذا الأمر فيوجه الفهم الصحيح للعقل والشعور والحس الديني للجوارح والعمل بها، إلخ، بناء على تلك البداية المباركة للقلب ناهيك عن المناخ العالي المستوى الذي يساعد فيه القلب الجوارح على أداء عملها من أعمال مصاحبة مثل الخشوع، حب الله، إلخ، من الجرعات القوية المساعدة لإخراج العمل بالصورة المرضية لله والتي تصل بالعبد لأعلى درجات الثواب، قال تعالى (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) [4] .
إذًا الإيمان أولًا هو نالذي يسهل الفهم والتنفيذ وبالتالي فإن القلب كعضو هو المكان الأول الذي يستقبل فيه الشريعة عن طريق المعرفة القلبية وهنا أولًا كبداية عرف القلب عن طريق الدين الصحيح، ففتح باب القلب أولًا
(1) غافر (37) .
(2) ابن ماجه - كتاب الزهد - باب 9 القناعة - حديث رقم 4141 - ص 1388.
(3) النساء (65) .
(4) النحل (97) .