المبحث الثاني
حدود الكفر ومعانيه في الشرع والحركة من القلب إلي الجوارح
أولًا لكل شئ صغيرًا كان أم كبيرًا دينا كان أم دنيا حدوده الإسلامية التي إذا تعداها تحول إلي حدود الكفر بها وهذا هو المعني العام الكبير للكفر فمن لم يشكر النعمة يكون قد كفر بها ومن لم يؤمن بالآيات كان كافرا بها وهكذا قال تعالي: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [1] وفي الكفر بالآيات قال تعالي: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [2] وفي الشكر نجد سليمان عليه السلام حينما رأي عرش بلقيس ملكة سبأ أمامه قال: (هذا من فضل ربي ءأشكر أم أكفر) الآية والنعمة هي كل الدين وكل الصراط المستقيم لذلك يطلب العبد من الله في كل صلاة بأن يأتيه هذا الصراط المستقيم ووصفه تعالي بأنه صراط من أنعم الله تعالي عليه مما يدل أن الصراط نعمة قال تعالي (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [3] ولكن هذا المعني الواسع لكلمة الكفر هو كفر داخل الإسلام فمن لم يشكر من المسلمين بالنعمة هو كافر بالنعمة وليس كافر بالإسلام ولكن بمجرد الخروج من الإسلام بأي شكل من الأشكال ختم على القلب ولن يفيده شكر بالنعمة أم كفر بها. هذا هو تدرج الكفر من الإسلام إلي الكفر بالإسلام نفسه. كذلك لكل شئ داخل الإسلام حدوده إذا زاد الأمر من هذه الحدود وزادت الجرعات بقصد رفع الإيمان أكثر مثل الرهبنة أو من يقول إنه يصوم ولا يفطر أو لا يتزوج الخ من زيادة الجرعات بقصد رفع الإيمان أكثر مثل الرهبنة أو من يقول إنه يصوم ولا يفطر أو لا يتزوج الخ من زيادة الجرعات العبادية بقصد زيادة الإيمان فهذا يقود إلي العكس أي العكس تمامًا أو الكفر مثل الرهبنة وهي أعمال قصد بها التقرب إلي الله بشكل زائد كالصيام كل الدهر وعدم الزواج من النساء والقيام كل الليل إلخ وهذا ما لا يرضاه الله ويعتبر غلو في الدين والأمثلة كثيرة ومن المفارقات هنا أن يقوم العبد بعمل يبذل فيه جهد كبير ليزداد تقربًا من الله فتكون النتيجة هي الخروج من الملة بدلًا من القرب من الله مما يدل على جهل العبد بدينه كما يدل على قلة الإيمان لأن
(1) سورة النحل الآية (112) .
(2) سورة هود الآية (17) .
(3) سورة الفاتحة.