أما التكوين الشكلي فهو الذي يتكون فيه شكل العلقة والمضغة من ماء الرجل وماء المرأة قال تعالي {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [1] .
أما التكوين المعنوي فهو عبارة عن انتاج هذا الخليط أو المشيخ من الرجل وماء المرأة في صورته المعنوية أي غير المرئية والتي علم بها الله قبل أن يخلق هذا الجنين وتم ذلك عندما أخذ الله بني آدم من ظهورهم كما قال تعالي {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [2] وقد جاء في شرح ابن كثير لهذه الآية (يخبر نهتلي أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين على أنقسهم أن الله ربهم وأنه لا إله إلا هو كما إنه فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالي {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [3] وفي الصحيحين(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه إما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد بهيمة صماء هل تحسون فيها **) [4] فالله تعالي استخرج من ذريته آدم ولم يقل من آدم وقال من ظهوركم ولم يقل من ظهره فالمراد بهذا الإشهاد إنه فطرهم على التوحيد) [5] ومع ذلك كله فإن الجنين عند الخلق وهو داخل الرحم تكون تفاصيل حياته كلها معروفة. هل هو شقي أم سعيد هل هو ذكر أم أنثي كما جاء في الحديث (حدثنا هناد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه في أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيختم بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار
(1) سورة اللؤمنون آية: (12 - 14) .
(2) سورة الأعراف آية: (1724) .
(3) سورة يؤنس آية: (105) .
(4) ورد تخريج هذا الحديث ص 58 من هذا البحث.
(5) شرح ابن كثير، الجزء الأول تفسير سورة الأعراف، ص 420.