قلوب بمعني دم وأعصاب نابعة من المصدر القلبي الأم أو الرئيسي ولكن كل هذا بحسب دين العبد الذي يربط هذه القلوب بالقلب الأم بحيث كلما زاد دين العبد زاد الاتصال بين القلب الأم وبقية القلوب الفرعية للأجهزة الأخري وكلما قل دين العبد قل الاتصال وزاد الانفصال ليعمل كل عضو على هواه بعيدا عن إدارة القلب الأم حيث الفطرة والبصيرة والصفاء لتصبح في المقابل كل الإدارة للشيطان وهواه وهوي النفس الأمارة بالسوء وهي في حقيقتها إدارة لا يستهان بها تحمل القوة والذكاء والحيلة والدهاء والسرعة وكل ما تشتهي النفس ولكن بعيدا عما يحب الله ورسوله ولذلك أدعي أحد المشركين [1] بأن له قلبين وعقلين لشدة ذكائه لماذا؟ لأن الأجهزة كلها أصبحت تعمل تحت إدارة وهوى الشيطان بطريقة فائقة السرعة والنشاط والقوة وهذا هو المحك الخطير في التوجه بالحياة كلها تحت هذه القيادة لأن النظر إليها سيكون جاهلا بأهم الأسباب والمكونات الحقيقية للأمور أو نظرا سطحيا لظاهر الأمور قال تعالي {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [2] قال تعالي {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [3] فالظاهر هنا والواضح أمام العين هو صفة الذكاء ولكن السؤال المهم هو لمن القيادة؟ إذ أنه ليس المهم في الدين الصفة ولكن مصدر هذه الصفة وليس المهم العمل ولكن قلب العمل أو قلب صاحب العمل وهكذا يأخذ الدين جانب العمق البعيد في النظر إلي الأمور فلا ينخذع المؤمن بالأمور الجذابة وكلها موجودة في المسلم والكافر والغرب أو الكفر ملئ بها وما هي إلا نتاج عقول بشرية وجوارح بشرية ولكنها مهما فعلت فهي تحت قيادة الهوي ما دام أصحابها كفار ولكنها حكمة الله في إعمار الأرض بكل الناس وبمختلف العقول والأديان ولكن المؤمن لا ينجرف وراءها بل يتثبت ويخضعها لعقله هو وجوارحه هو وتحت قيادة نوره وبصيرته، ولن ينفع معها إيمان ضعيف أو نور إيماني ضئيل لأن معيار الميزان والقوة بين عقل الكافر وعقل المؤمن يجب أن يتساوي فلن ينفع عقل المؤمن الضعيف أن يتحكم بفطرة سليمة في ما نتج عنه عقل كافر شديد الذكاء وبقدر ما يزيده الهوي والشيطان في عمله وسط الكفار يجب أن يزيد الإيمان ونوره هنا المؤمنين حتي يحسنوا التصرف السليم المقابل لما يرد إليهم من الغرب والكفر ليكونوا بحق أهل الاستخلاف والتمكين لكل الأرض بمن فيها من مسلمين وكفار.
ومواصلة لتعدد القلوب نقول إن السبب في تعدد القلوب ناتج من ارتباط الفروع أو القلوب (دم وأعصاب) بالقلب الأم من جهة الأصل وهو تلك الفطرة وذلك النور الذي يجري من داخل النفس المطمئنة ومن داخل غرفة البطين التي يوجد فيها الدم المؤكسد فينتشر منها إلي كل أجزاء الجسم قال تعالي الَّذِينَ آمَنُوا
(1) وردت قصته في ص 19 من هذا البحث
(2) سورة النجم الآية: (30) .
(3) الروم (6) قال تعالي (ويعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون) .