وفي الدنيا كما جاء في الحديث (تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته وجعل فقره بين عينيه ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله تعالى له أمره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد بقلبه إلي الله إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة) [1] (الطبراني عن أبي الدرداء) وقد ورد أيضا نفس هذا الحديث بصورة أخرى وهي (عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدينا إلاما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة) [2] .
أما الهدف من النية البعيدة المدى فيوزن عليها أو بها الثواب والعقاب والبعيد المدى والخاص بيوم القيامة بمعنى أن يكون القصد والهدف من العمل إما البعد عن النار أو رغبة في الجنة أو أبعد من ذلك فيقصد بعمله رؤية وجه الله كما جاء في تفسير بن كثير للآية {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [3] وهو كما يلي:-
(وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة) أي ما ظنهم أن نصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة، وقوله (إن الله لذو فضل على الناس) في تركه معالجتهم بالعقوبة في الدينا ويحتمل أن يكون المراد لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدينا ولم يحرم عليهم إلا ماهو ضار بهم في دنياهم أو دينهم (ولكن أكثرهم لايشكرون) بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضًا حلالًا وبعضًا حرامًا وهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم. روى بن أبي حاتم في تفسير هذه الآية قال: (إذا كان يوم القيامة يؤتي بأهل ولاية الله عز وجل فيقومون بين يدي الله عز وجل ثلاثة أضناف فيؤتى برجل من الصنف الأول، فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يارب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري شوقًا إليها قال: فيقول الله تعالى: عبدي إنما عملت للجنة، هذه الجنة فادخلها ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة قال: ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يارب قد خلقت نارًا وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعدتت
(1) كنز في سنن الاقوال والافعال لعلاء الدين على المنعس بن حسام الدين الهندى ج/2 ص 186 حديث رقم 6077
(2) بن ماجه كتاب الزهد باب هم الدينا 4/ 1375 برقم 4005 وصحيح الالبانى اسناده في سلسلة الاحاديث الصحيحة
رقم 950 وصحيح الجامع 5/ 351
(3) سورة يونس الآية (60)