ولماذا جمع الله فيه من كل مثل؟ يقول تعالى في جوابه الحجة البالغة في البقرة آية (2) {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} وكيف يكون هذا الهدى ومن أين يأتون به وإلى أين يذهبون. يقول في سورة إبراهيم آية (1) {الر كتاب أنزلنا إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ... } .
ولا يخفى على أحد أن هذه الظلمات تعني الكثير من متاع الحياة الدنيا ويأتي على رأس هرمها الشرك وعبادة الأوثان وتكذيب الرسل والكتب السماوية وجملة المعاصي الأخرى وأن هذا الكتاب الذي نزل ينقل هذه الأمة من حياة الظلام إلى نور الله في الحياة الدنيا والحياة الآخرة.
فكيف يكون لهذه الأمة أن تتمسك بهذه الهداية إلى نهاية حياتها وليس ذلك فحسب بل وأن تبلغ أشدها في مقابل كل المقامات التي نزل بها هذا الكتاب مثلما أوضحت الآيات السابقات التي ذكرناها وتأتي تدابير وخطوات وأعمال الأمة الصالحة في ذلك بالأمور الموجزة التالية:
أولًا: أن تؤمن هذه الأمة بهاذ الكتاب وبشكلها الجماعي إيمانًا مطلقًا كأول وكأعلى وأظهر مكانة وأقدسها في كل مكان وزمان وعلى صعيد حكمها وبقائها على وجه الأرض قال تعالى في سورة الواقعة آيات {إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العالمين (80) } .
وأن هذا القرآن كما جاء في سورة عبس {فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) } .
وهو كذلك في سورة المنتهى كما قال عنه عز وجل في سورة الزخرف (4) {وإنه في أم الكتب لدينا لعلي حكيم} وتأكيد إلهي مرة أخرى في سورة البروج آية 21 - 22 {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ} .
إن هذا العلو السامي لهذا الكتاب الكريم يجب أن تقابله أمة محمد بنفس العلو وأن تجاهد في كل مكان وزمان للحافظ عليه وأن تبذل الغالي والنفيس وأن تعقد الألوية من أجل الاستمرار بهذه المرابطة بهمة لا يشوبها كلل أو ملل والله سبحانه وتعالى يؤكد لهذه الأمة همّتها الإيمانية العالية للحفاظ على هذا الكتاب فجل وعلا يقرن حفاظه عليه بواسطة تلك الفرقة من العلماء الذين يتوالون النيابة جيل بعد جيل وإلى قيام الساعة يقوم سبحانه في سورة الحجر آية (9) {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .
وقد خص الله سبحانه هؤلاء الذين اصطفاهم لحفظ هذا الكتاب من عباده بأنهم على درجات عنده فقال في سورة فاطر آية (32) ثم أورثنا