ثم ضرب الله المثل لهؤلاء وقال في آل عمران آية (178) {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتُبَيّننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون} .
ويذكر الله سبحانه وتعالى في أول سورة آل عمران أن هذا الكتاب الذين أنزل على أمة محمد لا يعلم تفسيره وتأويله إلا الله والله سبحانه وتعالى أوحى علم التفسير والتأويل إلى رسوله الذي بدوره نقل هذا العلم الشامل إلى أصحابه وإلى سائر المؤمنين فأصبح هناك علماء كل منهم اجتهد بعلم من علوم القرآن وهكذا وقد قال تعالى في ذلك بالآية الطويلة (7) {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} .
والله سبحانه لا يترك عباده من العلماء الذين حفظوا كتابه ودينه إلا أن يربط على عقولهم وقلوبهم ولشوق بأس إيمانهم فقال مردفًا في سورة العنكبوت آية (43) {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلى العالمون} .
فماذا يعل هؤلاء العالمون من هذا الكتاب إن الله يتبعهم الآية تلو الآية فيشير إليهم في الآية (55) من سورة الزمر {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون} .
والأحسن فيما أنزل الله بينة الحكمة النبوية التي علمها الله لرسوله ثم انتقلت منه مباشرة إلى أمة المؤمنين وقد كانت فيهم درجات فالأحسن للعلماء والأحسن لما يليهم والأحسن لما يلي يليهم وهكذا فالمؤمنون يساقون إلى ربهم زمرا وسبحانه وتعالى يقول كلمة (الأحسن) وهي تعني الجد والمجاهدة باتباع الشيء حتى يبلغ أشده في ترجمة عمله قدر استطاعته.
إن الأحسن بالنسبة للذين أوتوا العلم والراسخون في العلم هو أن يلمّوا بجوامع الكلم من الكتاب فقال تعالى في سورة العنكبوت آية (49) {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلاّ الظالمون} .
وهكذا كانت أول علامات العمل بكتاب الله هو أخذ علومه وترجمتها ونشرها حفظًا وتفسيرًا وتطبيقًا في حياة المسلم ومعاشه من أول يومه إلى آخره ومن بداية سن رشده إلى أن يموت وفي هذه صنف المسلمون الذين يعملون به إلى علماء وعامة وقد أعطى الله سبحانه المثل العمل بالأجر والثواب وكل على قدر عمله ينال أجره وثوابه وجزاءه بالدنيا والآخرة فمن