والشهوات وكثرتها وتشعبها في الرغبات وحب متاع الحياة الدنيا ثم أكمل تعالى في الآية (15) التي تليها {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ... } والمعنى المشترك والهدف الجامع هو ما أردنا الإشارة إليه وهو أن كل هذه الشهوات وحبها لها مصادر وأبواب نأتي وتكثر من خلالها أولها ونعني به السلطان الدنيوي وحكم الناس والقرى والبلاد وثانيهما الطرب في الأرض أي السعي والثمارة فيتولد عن هذا الأخير السلطان الثاني وربما يجتمع لكثير من الناس السلطانين الدنيويين سلطان الحكم وسلطان المال وكلاهما يصبحان فتنة وقد يتوافر أحد السلطانين أو بعض من أحدهما عند المؤمن والله عز وجل لا ينهي ضرب المثل حتى يضع الموازين القسط ويقول في الآية ذاتها (15) {للذين اتقوا ... } وهو بهذا يضع السلطانين في كفة من الميزان وتقوى الله بالكفة الثانية أي سلطان حب الشهوات وسلطان تقوى الله فأيهما يثبت في الحياة الدنيا أولًا حتى يعرف وينبأ بالثاني يوم الحساب.
الزمرة الثانية:
وهذه الزمرة التي عمم الله وصفها وأطلق مقاييس إيمانها وأعمالها وجعلهم كالجنود المجهولون الذين لا يعلمهم إلا القلة القليلة وهم الكثر المنتشرون على وجه الأرض وبكل البقاع.
قال تعالى في سورة النساء آية (125) {ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا واتخذ الله إبراهيم خليلًا} .
وقال أيضًا في البقرة آية (112) {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .
والاصطفاء المختصر لهذه الزمرة هو الاتقان قولًا وعملًا في التوجه إلى الله وعبادته ولا يرتبط هذا الإحسان في زمان أو مكان أبدًا بل إن الذي يسلم وجهه لله لعبوديته لا يجد من أدائه موقع أو عمل هذا العابد مهما كان حاكمًا أو محكومًا صغيرًا أم كبيرًا ليلًا أو نهارًا صبحًا أو مساءً فقيرًا أم غنيًا فالإحسان بالعبادة هو الاتيان بها على أكمل وجههًا وقد حذر الله تعالى بعدة آيات ووضح بعض جوانب عدم الاكتمال أو التنقيص من هذا الإحسان ففي الأنعام آية (82) قال عز وجل {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} .
وكذلك {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} (20) الرعد {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار} (22) الذين