ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين )) آية 19.
فالذي نراه في المفارقة والمقارنة بين الفريقين أن كلاهما وهبا هبة هي في ظل ما عرفناه من القوانين الطبيعية أنهما زائلة أو بمعنى الإدراك الكوني لحياة الدنيا هما جزءان لا يتجزآن من الملك الكلى لله تعالى مالك الملك أي أنهما أمانتان ولا بد من مجئ الساعة لاسترداد أو لرجوع هذه الأمانة لمالكها أو لصاحبها فالذي يتردد في إرجاعها ويتململ ويتنكر لصاحبها فسوف تؤخذ منه عنوة وبالقوة أما الذي ينتظر تلك الساعة وقد أفنى سنين عمره خائفا قلقلا من ضياعها أو نقصانها أو حتى إصابة جزء منها بالضرر وهو في نفس الوقت فرح بقلبه واحاسيسه من لقاء صاحب الأمانة تلك ويتلهف لشكره وتفضله بالحفاظ على الأمانة وارجاعها زكية كاملة طاهرة كما استلمها أول مرة فهو موعود وعد الحق ولا بد من أن يرى الحق مرة أخرى كما عاش مع الأمانة عيشة حقا ولا لبس في ذلك. فكل من صاحَبَ الأنبياء والرسل ودعاة الحق والرجال الصالحون لمسوا ذلك لمسا حقا وعاشوه بكل جوارحهم ولم يغالط أحدا نفسه حتى في رؤياه بدجى الليالي الحالكة.
أما ابن خلدون فيأتي على زوال السلطان وبقائه من جهة نظر تأملية اجتماعية وهو يحافظ على العلاقة بين الوازع والزوال ويرجعه إلى أسباب يخاطب بها أهل الملك والسلطان وهو يرجعها بالنهاية إلى ذات الأسباب التي تشير إليها مفردات القرآن العظيم ولكنه لا يذكرها صريحة وإنما يلبسها ملبسا سياسيا ليبقى غير بعيد من أهل السلطان يقول في مقدمته: (أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها والسبب في ذلك أن الصبغة تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق فإذا حصل لهم الإستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه، وأهل الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل وتخاذلهم لتقية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل.)
ثم يتابع (واعتََبِر من ذلك إذا حالت صبغة الدين، وفسدت، كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة