قالوا: فنزلوا حيث وصف في قليب لهم يصلحونه فتهور عليهم جميعاً، فإنه لقبر لهم يومهم.
قال عمر: سبحان الله، إن هذا للعجب. فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين فشأن بني الْمُؤَمَّلِ من بني نَصْر أعجب من هذا كله، قال: وكيف كان شأن بني مؤمل؟ قال: كان رجل من بني نَصْر بن معاوية، قد استولى على أموال بطن منهم وراثة، فلما كثر بيده المال لجأ إلى بطن من بني مؤمل، وكانوا بنو أبيه قد هلكوا، فألجاء ماله إليهم ونفسه ليمنعوه، فكانوا يظلمونه ويضطهدونه، ويأخذون ماله بغير حقه، فكلمهم. فقال: يا بني مؤمل إنني قد اخترتكم على من سواكم وأضفت إليكم مالي ونفسي لتمنعوني، فظلمتموني، وقطعتم رحمي وأكلتم مالي وأسأتم جواري فاذكركم الله والرحم والجوار إلا ما كففتم عني. فقام رجل يقال له رَبَاح فقال: يا بني مؤمل قد والله صدق ابن عمكم فاتقوا الله فيه فإن له رحما وجواراً، وإنه قد اختاركم على غيركم من قومكم، فلم يمنعه ذلك منهم فأمهلهم حتى إذا دخل الشهر الحرام خرجوا عُمَّاراً، فرفع يديه إلى الله في أدبارهم فقال:
لَاهُمَّ زِلْهُمْ عَنْ بَنِي مُؤَمَّلِ * وَارْمِ عَلَى أَقْفَائِهِمْ بِمِنْكَلِ [1]
بِصَخْرَةْ أَوْ عَرْضِ جَيْشٍ جَحْفَلٍ * إِلَّا رَبَاحًا إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ
فبينما هم نزول إلى جبل في بعض طريقهم، أرسل الله صخرة من الجبل تجر ما مرت به من حجر أو شجر حتى دكتهم دكة واحدة، إلا رباحاً وأهل خبائه إنه لم يفعل.
فقال عمر: سبحان الله إن هذا للعجب لم ترون هذا كان يكون؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين أعلم. قال أما إني قد علمت لِم كان ذلك. كان الناس أهل جاهلية لا يرجون جنة ولا يخافون نارا ولا يعرفون بعثا ولا قيامة، فكان الله تبارك وتعالى يستجيب للمظلوم منهم على الظالم ليدفع بذلك بعضهم عن بعض، فلما أعلم الله
(1) المَنْكَل: ما ينكل به الإنسان، والمنكل الصخر. المعجم الوسيط (2/ 953) .