يشير قول ولي نعمتنا سيدي علي وفا في التوجهات يا الله يا هو استهلك جهات فرقنا بلطفك وجودك في إحاطة وجودك والكل محجوبون عن توحده الذي توحد به بنفسه إذ لا سبيل لغيره إلى ذلك أبدا وعجزت كما قال السنوسي في شرح الكبرى عن الإدراك: وانقطع تشوقها للخرض فيما خرج عن دوائر التوهمات والتخيلات. وقصارى أمرها أنها صارت من أجل اللمحة التي لحظت والرمزة التي بها غابت عن العوالم كلها وفيها تاهت وبها ولهت تطاير من وراء حجب الكبرياء وأردية العز شوقا وأنشد في ذلك لأبي مدين:
فقل للذي ينهي عن الوجد أهله ... إذا لم تذق معنا شراب الهوى دعنا
وفي اليواقيت أواخر المبحث الأول ما نصه إن للحق تعالى مرتبتين مرتبة علية هو عليها في علا ذاته، ومرتبة يتنزل منها لعقول عباده فما عرف الخلق منها إلى مرتبة التنزل لا غير لأن الله لم يكلف الخلق أن يعرفوه تعالى كما يعرف نفسه أبدا ولو كلفهم بذلك لأدى إلى الإحاطة به كما يحيط هو بنفسه وذلك محال لتساوي علم العبد وعلم الرب حينئذ اهـ.
وإلى المقام الأعلى يشير قول سيدي علي وفا في التوجهات: يا من هو هو بما هو هو ومن هنا تعلم أن توحد مولانا ليس ناشئا عن توحيدنا بل هو أزلى قديم فليس التفعل هنا للمطاوعة كما أنه ليس للتكلف بل للكمال تفريعا على الثاني كما في الشاوي على الصغرى لأن شأن ما يتكلف فيه أن يكون بصفة الكمال، وكذا القول في التمجيد والتمجد والتقديس والقدس فمحصله يرجع لعبدنا بالإقرار بذلك ظاهرا وباطنا، لا أنا نحصل له شيئا وفي كلام ولي نعمتنا سبحانك من حيث أنت والحمد لك اللهم رب العالمين:
جمالك في مخيلتي وطرفي ... مقيم ليس يخفى بعد كشف
فإن أغفيت كان عليك وقفي ... أو استيقظت كان بك ابتدائي
وله قدس الله سره:
ولم يزل بالجمال سكري ... ومن كؤوس الشهود شربي
فالدهر لي كله سرور ... وطيب عيش وطيش لب
ما ثم فرق ولا فراق ... عمن له وجهتي وقلبي
فلا تهدد ولا تمني ... فأنت سلمي وأنت حربي