العاقل الذي بلفته الدعوة فمن لم تبلغه الدعوة لا يجب عليه ما ذكر على الأصح، ولا يعذب
الإيمان من الشرعيات. قلت: ولا يعول على ظاهر هذا فإن جمهور أهل العلم على نجاة الصبيان مطلقا وهم في الجنة ولو أولاد الكفار نعم إن أرادوا ما قاله أصحابنا المالكية: ردة الصبي وإيمانه معتبران بمعنى إجراء الأحكام الدنيوية التي تتسبب عنهما كبطلان ذبحه ونكاحه وصحتهما رجع لخطاب الوضع من حيث السبب والمانع وهو لا يتقيد بالمكلف إلا أنه لا يعاقب في الآخرة ولا يقتل قبل البلوغ. (قوله:(العاقل) خرج المجنون والسكران غير المتعمد أما المتعمد فيستصحب عليه حكم تكليفه الأصلي لتعديه.
قوله: (الذي بلفته الدعوة) ولا بد على التحقيق من أن يكون الرسول لهم كما نقله الملوي عن الأبي في شرح مسلم خلافا للنووي فالعرب القدماء الذين أدركوا عيسى من أهل الفترة على المعتمد لأنه لم يرسل لهم، وإنما أرسل لبني إسرائيل وكذا يعطي حكم أهل الفترة من بني إسرائيل من لم يدرك نبيا ونشأ بعد تغيير الإنجيل بحيث لم يبلغه الشرع الصحيح لا إن بلغه ولو بعد موت عيسى بناء على أن شرع الأنبياء السابقين لا ينسخ إلا بمجيء نبي آخر لا بمجرد الموت. قوله: (لا يجب عليه ما ذكر) أي في قوله الآتي أن يعرف ما قد وجبا الخ، فأولى غيره. قوله: (على الأصح) يأتي مقابله القائل بأن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل فلا تتوقف على بلوغ دعوة. قوله: (ولا يعذب الخ) أي لأن الله تعالى وإن كان لا يسأل عما يفعل يفعل في ملكه ما يشاء لكن بمقتضى سبق رحمته لا يقع منه ما تحتار فيه العقول كل الحيرة فضلا منه تعالى، ويرحم الله البوصيري حيث يقول:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم
وانظر إلى آية: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وآية: {لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [طه: 134] وأما حديث البخاري في التوحيد: (( إ، الله ينشئ للنار خلقا ) )، فقد قال ابن حجر عن القابسي المعروف فيه أن الله ينشئ للجنة خلقا، وجزم ابن القيم أنهه غلط، وقال جماعة: هو مقلوب ولا يحتج به للاختلاف في لفظه ولا يظلم ربك أحدا فالمعول عليه كما في حاشية شيخ الإسلام