وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر والعقل يجوز وكل ما هو كذلك فهو من مطالب هذا الفن والإيمان به واجب، والمشهور أنه ميزان واحد لجميع الأمم لجميع الأعمال، فالجمع في قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ} [الأنبياء: 47] للتعظيم، وقيل: يجوز أن يكون للعامل الواحد موازين يوزن بكل منها صنف من عمله ولا يكون في حق كل أحد لحديث (( يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن ) )وأحرى الأنبياء عليهم السلام وكذا لا يكون للملائكة لأنه فرع عن الحساب وعن كتابة الأعمال خصوصا على القول بأن الصحف هي التي توضع في الميزان، ولا مانع من وزن سيئات الكفار غير الكفر ليجازوا عليها بالعقاب فقوله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] أي نافعا وخفة الموزون وثقله على صورته في الدنيا.
ولما اختلف العلماء في الموزون ما هو أشار إليه بقوله: (فتوزن الكتب) أي التي اشتملت على أعمال العباد بناء على أن الحسنات متميزة بكتاب والسيئات بآخر، وشهد له حديث البطاقة وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين.
(أو الأعيان) يعني أعيان الأعمال فتصور الأعمال الصالحة بصورة حسنة نورانية، ثم تطرح في كفة النور وهي اليمنى المعدة للحسنات فتثقل بفضل الله سبحانه وتعالى، وتصور الأعمال السيئة بصورة قبيحة ظلمانية ثم تطرح في كفة الظلمة وهي الشمال المعدة للسيئات فتخفت بعدل الله سبحانه، ولا يمتنع قلب الحقائق خرقا للعادة، وقيل: يخلق الله تعالى أجساما على عدد تلك الأعمال من غير قلب لها.
ومن فوائد الوزن امتحان العباد بالإيمان بالغيب في الدنيا وجعل ذلك علامة لأهل السعادة والشقاوة وتعريف العباد ما لهم من الجزاء على الخير والشر وإقامة
قوله: (واحد) ويلهم منه كل واحد ماله نظير ما سبق في الحساب. قوله: (الأيمن) على يمين من استقبل وسطها. قوله: (على صورته في الدنيا) وقيل: الثقيل يصعد. قوله: (البطاقة) ورقة صغيرة فيها الشهادة ترجح على تسعة وتسعين سجلا من الخطايا، وتردد المصنف هل الميزان موجود الآن أو سيوجد، قيل: وقد يوزن الشخص نفسه لحديث ابن مسعود: (( رجله في الميزان أثقل من جبل أحد ) ). قوله: (بعدل الله) بل بالفضل إنما المناسب للعدل ثقل السيئات. قوله: (خرقا للعادة) أي لأن المستحيل العقلي