مع كونه خبر آحاد وإذا عرفت أن الإرسال جائز عليه تعالى وأن الإيمان به واجب (فدع) عنك (هوى قوم) اتبعوه أي اعتقادهم الباطل الذي زينه الشيطان لهم فإنه (بهم قد لعبا) الهوى أي تلاعب بهم لا بغيرهم فأوقعهم في البدع والمعاصي أو الكفر فأنكروا الإرسال وأحالوه كالسمنية أو أوجبوه كالمعتزلة والحكماء. والهوى عند الإطلاق ينصرف إلى الميل إلى خلاف الحق غالبا نحو: ولا تتبع الهوى سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. ثم شرع في شرح قوله فيما سبق: ومثل ذا لرسله مقدما الواجب لشرفه فقال: (وواجب) عقلا (في حقهم) أي الأنبياء لعمومه لأن معظم هذه الأحكام لا يختص بالرسل وقوله: (الأمانة) أي وما عطف عليها وهي اتصافهم بحفظ الله سبحانه ظواهرهم وبواطنهم
قوله: (خبر آحاد) أي وهو ولو كان صحيحا إنما يفيد الظن والاعتقادات تبنى على اليقين. قوله: (لا بغيرهم) أخذ الحصر من تقديم الجار والمجرور. قوله: (غالبا) من غير الغالب قول السيدة عائشة له صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك لما نزل قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب: 51] الآية. قوله: (يهوي بصاحبه) شيخنا فيه قلب أو مبالغة لأن صاحبه هو الذي يهوي بسببه هذا كلامه، ولا يخفى عليك أنه مبني على جعل الباء سببية والظاهر أنها للتعدية أي يهويه على حد: ذهب الله بنورهم، أي أذهبه والأمر في العبارات سهل يسير ومن اللطائف:
نون الهوان من الهوى مسروقة ... فصريع كل هوى صريع هوان
قوله: (عقلا) الحق أن ذلك سمعي، نعم تصديق المعجزة لهم قيل: وضعي لتنزيلها منزلة الكلام وقيل: عادي بالقرائن المقامية وقيل: عقلي لتنزيهه تعالى عن تصديق الكاذب، ونسبه في شرح الكبرى للأستاذ وضعف بأنه تعالى لا يسأل عما يفعل.
قوله: (أي الأنبياء) كأنه يشير إلى استخدام في المتن أو فهم من سياق وإلا فالسابق الرسل. قوله: (معظم هذه الأحكام) خرج الفطنة والتبليغ. قوله: (الأمانة) بالنقل والدرج للوزن. قوله: (بحفظ الله سبحانه ظواهرهم الخ) وما أوهم المعصية لا يجوز النطق به في غير مورده إلا للبيان وأصله: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فآدم تأول أوله في ذلك مع سيده سر وإن لم نعلمه حتى نقل في اليواقيت عن أبي سعد بن التلمساني: لو كنت بدل آدم لأكلت الشجرة كلها، ولا تفهم رفعة مقامه على آدم وإنما كان يغلبه الحال لضعف ثباته بالنسبة لآدم ثم هو من سبق رحمة الله تعالى في سنة التوبة وعدم الإياس،