إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: 163] وسيق معه الدلائل العظيمة حيث قيل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] ، أي علامات على توحده فناسب التشنيع على من غفل عن ذلك وأشرك فقيل: {يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 165] مع هذه العلامات القاطعة وهو معنى الآية الثانية: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] أي ثم مع كونه جعل ذلك يشركون ويعدلون به غيره فلينظر.
[بيان على الكلام على الشرك
وأنه أكبر الظلم والكلام على التوحيد وفوائده]
وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] وفي يواقيت الشعراني ما نصه فإن قلت: فهل وصف الشرك بأن ظلم عظيم راجع إلى ظلم العبد نفسه أو إلى ظلم غيره من الخلق أو إلى ظلم صفات الألوهية. فالجواب ما قاله الشيخ محيي الدين ف الباب الثاني والسبعين من الفتوحات: إن الشرك إنما هو من مظالم العباد قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] فيأتي يوم القيامة من أشركوه في الله تعالى مع الألوهية من حيوان ونحو ذلك فيقول: يا رب خذ لي مظلمتي من هذا الذي جعلني إلها ووصفني بما لا ينبغي لي فيأخذ الله تعالى له مظلمته من المشرك ويخلده في النار مع شريكه إن كان حجرا أو حيوانا غير إنسان، أما الإنسان فلا يخلد في النار مع عبدته إلا إن رضي بما نسب إليه من الألوهية. أما نحو عيسى والعزير عليهما السلام وعلي بن عبي طالب فلا يدخلون النار مع من عبدهم لأن هؤلاء ممن سبقت لهم من الله تعالى الحسنى اهـ. هذا نص الشعراني في أوائل المبحث الأول. قلت: وكذلك ظلم نفسه حيث عبدها لغير الحق وظلم كل ذرة من ذرات العالم حيث أثبت فيها شركا وهذا وجه العظم البليغ الأكيد.
وأما إساءة الأدب في حضرة الحق فلا يوازيها شيء والعياذ بالله تعالى وهذا الذنب العظيم لم يوجد من غير النوع الإنساني ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لاختلاف أجزائه وكونه مظهر العجائب. في اليواقيت أواخر المبحث الأول ما نصه فإن قيل فهل في الجن المخلدين في النار من أشرك كالأنس؟ فالجواب ما قاله الشيخ في الباب التاسع