إلا بالشرع إذ قبله لا حكم أصلا لا أصليا ولا فرعيا كما هو المنقول عن الأشاعرة وجمع من غيرهم والمراد أن يعرف الواجب لله تعالى وما عطف عليه، أعني قله:
الوحدانية خلافا للسعد على العقائد لقولهم: التعدد مؤد للعجز وعدم وجود شيء فالتعويل فيها على العقلي لا السمعي وإلا لتوقفت عل السمع المتوقف على المعجزة المتوقفة كسائر الأفعال على هذه الصفات فيدور هكذا اشتهر، وفيه أن الجهة منفكة إذ المعجزة تتوقف على وجود هذه الصفات لله تعالى خارجا لكونها لا توجد إلا بها ولا تتوقف على معرفتها ألا ترى أنها تقوم حجة على كل منكر وجاهل محض والمتوقف على السمع والمعجزة معرفتها والحكم بها أي وجودها الذهني لا الخارجي ولو صح هذا الدور للم بالأولى في الدليل العقلي فإنه بنفسه والنظر فيه يتوقف على هذه الصفات بلا واسطة شيء، إذ لم يخرج عن كونه فعلا من الأفعال، ومما لا يرد أيضا ما في شرح الكبرى عن المقترح من أن الاستدلال بالسمع على الكلام دور أي استدلال على الشيء بنفسه وأنت خبير بأن المدلول الصفة القائمة بالذات والدليل من الكلام اللفظي فتبصر. قوله: (إذ قبله) أي قبل الشرع بالمعنى المصدري أي التشريع وبعثه أحد من الرسل.
قوله: (وجمع من غيرهم) ونقل المصنف في شرحه عن الماتريدية أن وجوب المعرفة بالعقل قال: والفرق بينه وبين قول المعتزلة أن المعتزلة يجعلون العقل موجبا وهؤلاء عندهم الموجب هو الله تعالى، والعقل معرف بإيجابه اهـ. قلت: توضيحه أن المعتزلة يبنون الكلام على التحسين والتقبيح العقليين فيجعلون ذات العقل تستقل بالأحكام بناء على ذلك في المصالح وإنما جاء الشرع مذكرا ومقويا للعقل بناء على وجوب الصلاح والاصلح، فبالجملة يجعلون الشرع تابعا للعقل لا أنهم ينفون استفادة هذه الأحكام من الشرع ويضيفونها للعقل وإلا لكفروا قطعا. وأما الماتريدي فمعنى ما نقل عنه: أن إيجاب المعرفة من الله تعالى بمحض اختياره غير أن هذا الحكم لو لم يرد به شرع أمكن العقل أن يفهمه عن الله تعالى لوضوحه لا بناء على تحسين ذاته بل هو تابع لإيجاب الله تعالى عكس ما قالت المعتزلة والجادة لا يستقل العقل بشيء أصلا، قالت المعتزلة: لو لم تجب المعرفة بالعقل لزم إفحام الرسال لأن المرسل إليه يقول: لا أنظر إلا إذا ثبت عندي وجوب النظر علي ولا يثبت إلا بالنظر فيما تدعوني إليه فأنا لا أنظر أصلا وجوابه كما في المواقف والمقاصد أن وجوب الامتثال لا يتوقف على علمه بالحكم بل على ثبوت الحكم في الواقع فقوله: إلا إذا ثبت عندي العندية